جوتشي والإعتماد على الذات

لمى فياض

9 نيسان 2018، صيدا، لبنان

يمنع نشر المقال الحاضر من دون التقيّد بشرط: ذكر اسم المؤلف ووضع رابط الـمدونة الإلكتروني(HTML Link)  الذي يحيل الى مكان المصدر، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.

جوتشي (Juche) – الإعتماد على الذات

إن فكرة زوتشيه (الزوتشية) (جوتشيه) (جوتشي) (زوتشي) (Juche) هي العقيدة الرسمية لكوريا الشمالية، حيث بدأت بالظهور تدريجياً منذ العام 1965، كمذهب أيديولوجي منظم تحت الضغوط السياسية للانشقاق الصيني السوفييتي في الستينات. المبدأ الرئيسي فيها هو أن “الإنسان هو سيد كل شيء ومقرّر كل شيء”، وأن “الإنسان هو سيد الأشياء المحيطة به وعليه التوصّل لقراراته الخاصة” وأن “جماهير الشعب هم سادة الثورة”. وهي تُترجم أيضاً إلى “الموقف المستقل” و”روح الاعتماد على الذات”.

طبقاً لكيم جونغ إيل (Kim Jong Il) (16 شباط 1941 – 17 كانون الأول 2011) رئيس كوريا الشمالية منذ عام 1994 حتى وفاته، كما شغل منصب مستشاري لجنة الدفاع القومي، والقائد الأعلى لجيش كوريا الشعبي، والسكرتير العام لحزب العمال الكوري (الحزب الحاكم منذ 1948) وتولى الحكم خلفاً لوالده كيم إل سونغ (Kim Il-sung)، مؤسس كوريا الشمالية، الذي توفي في العام 1994، فإن تطبيق فكرة زوتشيه أو جوتشي (Juche) يستند على ما يلي: يجب أن يكون عند الجماهير استقلال في الفكر والسياسة، اكتفاء ذاتي في الاقتصاد، والاعتماد الذاتي في الدفاع. و يجب أن تعكس السياسة إرادة وتطلعات الجماهير وتستخدمهم بالكامل في الثورة والبناء. إن طريقة الثورة والبناء يجب أن تكون متناسبة مع حالة البلاد. إن العمل الأكثر أهمية للثورة والبناء يصبّان في التعبئة الفكرية للجماهير كشيوعيين وتعبئتهم من أجل العمل البنّاء. تتطلب نظرية جوتشيه الولاء المطلق أيضاً للحزب والزعيم.

في كوريا الشمالية، كانت أول التطبيقات لفكرة جوتشي هي الخطة الخمسية (1956 – 1961)، والتي عُرفت بحركة تشو ليما، وقد تضمنت هذه الخطة الخمسية التنمية الاقتصادية السريعة في كوريا الشمالية، وتشجيع الصناعة الثقيلة، لضمان الاستقلال السياسي عن الاتحاد السوفييتي ونظام ماو تسي تونج في الصين. دمجت حركة تشو ليما بين الخطة الخمسية السوفييتية والماوية، حيث اعتمدت على التخطيط الرسمي المركزي وتسريع النمو الاقتصادي نحو الأمام. نجحت كوريا الشمالية في تفادي المصاعب التي تواجه تسريع النمو نحو الأمام. على الرغم من تطلعاتها للإكتفاء الذاتي، فقد اعتمدت كوريا الشمالية على المساعدة الاقتصادية من البلدان الأخرى.

 

كيم إل سونغ - Kim il Sung
كيم إل سونغ – Kim il Sung

 

وقد كتبت رانيا محمد طاهر في كتابها “السلاح النووى بين مبادئ الشرعية الدولية وحتميات القوة”، الصادر عن المكتب العربي للمعارف عام 2014، بأن كريستوفر سنتنر يرى في كتابه “دراسة مسيحية لدين كوريا الشمالية” أن جوتشي والتي تعني حرفياً “الإعتماد على الذات” لا تُعدُّ النموذج الكوري الشمالي للماركسية الإلحادية فحسب، بل إنها إلى حدّ كبير ديانة متطورة جداً، وهي تُعدُّ ثامن أكبر ديانة في العالم من حيث عدد أتباعها. كما تشير رانيا محمد طاهر بأن مذهب جوتشي يجسّد الفكر السياسي الكوري الشمالي الرسمي، فهو يبرّر من ناحية نظرية حكم الفرد الواحد في عهد كيم إيل سونغ. كما يُعدُّ مرجعاً في “الفكر الأُحادي المتسّق”، والوسيلة المثلى لتحقيق الوحدة السياسية والفكرية في المجتمع الكوري الشمالي. وقد تمّ بلورة فكر الإعتماد على النفس (Self-Reliance) (جوتشي) خلال المؤتمر العام لحزب العمال سنة 1970 ليصبح الفكر السياسي الرسمي له. ومنذ ذلك الحين وفي عام 1974 أصبح إسم كيم إيل سونغ مرادفاً لجوتشي كنظام ونظرية ومنهج ثوري. وفي عام 1982، تمّ تقديم المزيد من الشرح والتفسير لفكر جوتشي وذلك في المجالات الإقتصادية والسياسية والعسكرية لتكون بمثابة المبادئ الحاكمة في كوريا الشمالية. وبناءً على ما سبق، يمكن القول بأن كلاً من عقيدة جوتشي وشعار العسكرية أولاً كان وراء إصرار كوريا الشمالية على حيازة السلاح النووي حفاظاً على النظام الحاكم وحمايته من الإنهيار، ومن ثم إعطاء الجيش ومتطلباته الأولوية المطلقة، إنطلاقاً من قناعة مفادها أن أي تدهور في أي من المجالات الأخرى يمكن تعويضه ومعالجته، على عكس الجيش الذي يعني ضعفه وتراجعه انهيار قوة الردع ومن ثم انهيار الدولة ذاتها.

 

كيم جونغ إيل - Kim Jong il
كيم جونغ إيل – Kim Jong il

 

وقد أُقيم برج جوتشي (Juche Tower) من أجل تخليد فكر جوتشي وهو معلم تذكاري مُقام عند نهر تايدونغ في مدينة بيونغيانغ عاصمة كوريا الشمالية، وقد كُشِفَ عنه في سنة 1982 في عيد ميلاد “كيم إل سونغ” السبعين. يُنسب تصميم البرج إلى “كيم جونغ إيل”. يصل ارتفاع البرج إلى مئة وخمسين متراً وفي أعلاه توجد شعلة ذهبية تُنير ليلاً وارتفاعها عشرون متراً فيصل الارتفاع الإجمالي لِلْمَعْلَمْ مئة وسبعين متراً. يحتوي البرج على 25,550 قالباً من الغرانيت تمثل عدد الأيام التي عاشها “كيم إل سونغ” قبل الكشف عن البرج، والبرج أيضاً مقسمٌ إلى 70 لوحاً من الغرانيت تمثل عدد سنوات “كيم إل سونغ عند الكشف عن البرج”. في أسفل البرج يوجد تمثال لثلاثة أشخاص يُظهر عاملاً يَرفع مطرقة، ومزارعةً تَرفع منجلاً، ومفكراً يَرفع فرشاة كتابة، وكلهم في نفس الحجم. يمثل هذا التمثال وحدة الشعب الكوري الشمالي في دعمه لحزب العمال الحاكم.

 

Juche Tower - برج جوتشي
Juche Tower – برج جوتشي

 

يتعرض فكر جوتشي للكثير من الإنتقادات إذ على الرغم من تطلعاتها للاكتفاء الذاتي، فإن كوريا الشمالية اعتمدت على المساعدة الاقتصادية من البلدان الأخرى. وقد استلمت أغلب مساعداتها من الاتحاد السوفييتي حتى انهياره العام 1991. بعد الحرب الكورية اعتمدت كوريا الشمالية على المساعدات والقروض الاقتصادية من البلدان الاشتراكية بين العام 1953 و1963 واعتمدت إلى حد كبير على المساعدة الصناعية السوفييتية من 1953 حتى 1976. بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، دخل الاقتصاد الكوري الشمالي في أزمة حادة، تسببت في عجز في البنى التحتية ما أدى إلى المجاعة الجماعية لمنتصف التسعينات. بعد عدة سنوات من المجاعة وافقت جمهورية الصين الشعبية على أن تكون البديل للإتحاد السوفييتي كمموّل رئيسي للمساعدات، بتمويل 400 مليون دولار سنوياً من المساعدات الإنسانية. منذ العام 2007، استلمت كوريا الشمالية تقديمات كبيرة أيضاً من زيت الوقود الثقيل والمعونة التقنية. (المصدر: ويكيبيديا)

على الرغم من جميع الإنتقادات التي تُوجَّه إلى جوتشي وبالرغم من النتائج السلبية التي تعيشها كوريا الشمالية نتيجة لتطبيقها المنتقص والناقص لمفهوم جوتشي، فإن هذا الأمر لا يمنع من إلقاء الضوء على فكرة جوتشي ومحاولة استخلاص النقاط الإيجابية منها من حيث الإعتماد على الذات والتطلّع نحو الإكتفاء الذاتي وتطبيقها على صعيد الفرد في حياته اليومية وعلى صعيد المؤسسات.

Juche Tower - برج جوتشي
Juche Tower – برج جوتشي

 

الإعتماد على الذات ورالف والدو إمرسون

الاعتماد على الذات هو عقلية، نهج للحياة يمكن اعتماده يومياً وفي كل لحظة وفي كل مكان. الاعتماد على الذات يعني عيش حياة يتخذ فيها الإنسان القرارات والآراء بالتوافق مع تجربت الخاصة. فهو يثق بنفسه وهو صادق مع نفسه. هذا لا يعني العيش في فراغ وعزلة عن الآخرين، بل يعني فقط أنه مدرك لعلاقته بالعالم وغيره من الناس. إذ لا يوجد رجل عصامي بحتّ، بل إننا نستفيد كل يوم من آلاف السنين من الإبداع البشري الجماعي. ولا يمكن للإنسان أن ينجز كل شيء وأي شيء بمفرده بل هو في حاجة للآخرين. ولكن في المقابل فإن الإعتماد على الذات يعني أن لا يرفض الفرد النصيحة أو المساعدة الخارجية بشكل مباشر، ولكنه يثق في نفسه بما فيه الكفاية لفحص المشورة التي حصل عليها، بحيث لا يسمح للآخرين بالتأثير عليه وإبعاده عن مساره الذي حدده بنفسه من أجل تنفيذ روزناماتهم الخاصة. الاعتماد على الذات لا يعني بالضرورة رفض جميع العادات والقيم المحددة، بل يعني فقط إتبّاع مع ما يصبّ في صالحنا. هذا هو النوع من الاعتماد على الذات الذي كتب عنه رالف والدو إمرسون في عمله الأدبي “الاعتماد على الذات”. لم يكن الأمر متعلقًا بالانعزال والانسحاب من العالم والهروب من المجتمع بل بالحفاظ على السيادة على الذات في عالم متحضّر مترابط.

وإذ يقول امرسون في مقاله “الإعتماد على الذات” (Self-Reliance): ” إن العبقرية أن هي أن تعتمد على أفكارك أنت، وأن تعتقد أن ما تعتبره صادقاً في قلبك هو صادق لكل الناس. انطق بما لديك من قناعة كامنة وستكون هذه القناعة معقولة لجميع العالم… لابدّ للإنسان أن يتعلّم كيف يكتشف بريق ذلك النور الذي يومض في داخله، أكثر من مراقبته ما لدى الشعراء والحكماء من بهاء وبريق… إن ما يكمن في الداخل لا يعجز أبدًا عن إيجاد طريقه إلى الخارج… إن القدرات التي تكمن في صلب هذا الإنسان، قدرات جديدة على الطبيعة، لا يعرف ماهيّتها إنسان آخر غيره، بيد أنه لن يعرف ماهية هذه القدرات ولا الذي يستطيع أن يصنعه بها، إلا بعد التجربة…. ثق بنفسك: فكل قلب يخفق حبّا بالرباط الحديديّ للثقة، وارْضَ بما تنعمه عليك القدرة الإلهية من موقع، وما يتحقق لك من مجتمع معاصريك، ومن تعاقب الأحداث… من يريد أن يوقظ إنسانيته الكاملة عليه أن يصبح منشقًّا. ولا ينبغي لمن يسعى إلى جمع ثمر النخيل الخالد أن يتعرقل في مسعاه بما يسمّى خيرا، بل عليه أن يستكشف إن كان ذلك خيرًا حقّ. في النهاية لا شيء مقدّس سوى استقامة فكرك ونزاهته. حرّر نفسك لأجل نفسك، وستحظى بتأييد الجميع… لابدّ لاهتمامي أن ينصبّ في ما ينبغي عليّ شخصيا القيام به وانتهاجه، لا في ما يفكر به الآخرون. هذه القاعدة، سواء في الحياة الواقعية أو الفكرية، الحدّ الفاصل بين العظمة والوضاعة. .. الخ”

رالف والدو إمرسون (1803-1882)
رالف والدو إمرسون (1803-1882)

 

ورالف والدو إمرسون (1803-1882) (Ralph Waldo Emerson) أديب وفيلسوف وشاعر أميركي. كان أحد أبرز أعلام الفلسفة المتعالية (Transcendentalism) في أوائل القرن التاسع عشر. وكان من دعاة الفردانية (Individualism). والفلسفة المتعالية قامت على الاعتقاد بأن المعرفة ليست محصورة في الخبرة والملاحظة، ولا هي مشتقة منهما وحدهما. وقد عارضت بهذا الفلسفة التجريبية التي تنصّ على أن المعرفة تنبثق من الخبرة. ومما نصت عليه هذه الفلسفة أن حل المشكلات الإنسانية يكمن في التطور الحر لعواطف الفرد. وطبقاً للفلسفة المتعالية فإن الحقيقة تكمن في عالم الروح فقط، فما يلاحظه المرء في عالم الطبيعة ما هو إلا ظواهر أو انعكاسات ثانية لعالم الروح. أما الفردانية فتدعو إلى ممارسة أهداف الفرد ورغباته لتكون قيمه مستقلة ومعتمداً على نفسه. تعتبر الفردانية إن الدفاع عن مصالح الفرد مسألة جذرية يجب أن تتحقق فوق اعتبارات الدولة والجماعات، في حين يعارضون أي تدخل خارجي على مصلحة الفرد من قبل المجتمع أو المؤسسات مثل الحكومة. ترتبط الفردية بالفن، والبوهيمية وأنماط الحياة، حيث يوجد ميول نحو الإبداع والتجريب خلافاً للعادات والتقاليد، والأعراف والسلوكيات السائدة، وذلك ينطبق أيضاً على مواقف الفلسفة الإنسانية والأخلاقيات.

الإعتماد على الذات وروبرت غرين

المقالات المرتبطة: (كيف تنتصر على أعدائك) (فن الدفاع عن النفس اللفظي) (إمتلك دهاء الثعلب وذكاء الذئب) (قوانين الدهاء) (عشرة الآف ساعة نحو التميّز والإتقان) (القانون الخمسون – كُن جريئاً ومِقداماً) (فن الإغواء – الجزء الأول) (فن الإغواء – الجزء الثاني) (فن الإغواء – الجزء الثالث)

أما بالنسبة للكاتب روبرت غرين (Robert Greene)، فإن الإعتماد على الذات (Self-Reliance) هو المحور الرئيسي لكتبه الخمسة، فحسب غرين، فإن النجاح لا يمكن تحقيقه في أي مجال إلا بالإعتماد على الذات لإعادة خلق الذات من جديد وتبنّي عقلية جديدة لفهم الذات والعالم من حولها. وكتبه الخمسة تضجّ بأمثال من التاريخ عن شخصيات اعتمدت على ذاتها من أجل تحقيق النجاح والوصول إلى الأهداف وبلوغ الإتقان. إذ يدعو روبرت غرين إلى إعادة خلق الذات باستمرار ويركز على السيطرة على العقل فيقول:اعتمد على ذراعيك، لا على الثروة ولا الحلفاء ولا التكنولوجيا. أن تكون غير قابل للغزو يكمن في داخلك. سلّح عقلك بفن الحرب وبالاستراتيجيات المتفوقة.” ويدعو غرين الفرد إلى أن يخوض حرباً مع نفسه في مواجهة ضعفه وعواطفه وافتقاره إلى الوضوح في رؤية الأشياء حتى النهاية، وأن يعتبر ردود أفعاله العاطفية كنوع من المرض الذي يجدر به أن يشفى منه. كما يقول: “كن قاسياً على نفسك، لا تكرر المناهج المستنفدة نفسها. وشنّ حرب عصابات على عقلك، من دون أن تسمح بخطوط دفاع ثابتة، أو قلاع مكشوفة. اجعل كل شيء سائلاً ومتحركاً. وأعلن الحرب على الأصوات التقليدية التي تتردد في عقلك. أبق عقلك في حراك دائم.” فالاعتماد على الذات عند روبرت غرين يرتكز بالأساس على الاعتماد الفكري على الذات وبتمرين العقل باستمرار، إذ يقول غرين: “اعتمد على نفسك. ولكي لا تعود معتمداً على الآخرين (الخبراء) عليك أن توسّع مهاراتك، وأن تشعر بمزيد من الثقة بآرائك. ازرع الحضور العقلي في رأسك كحالة يومية. ما أن يصبح الحضور العقلي عادة لديك، فلن يهجرك ابداً. عوّد عقلك على اتخاذ قرارات سريعة جداً. وهكذا فإن الاستراتيجية الأساسية يجب أن تنبع منك ومنك وحدك. في الوقت نفسه أخف آثارك. اعمل في الكواليس. ولا تثق إلا برؤيتك الخاصة. وإن الطريقة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة هي الاعتراف بأنك بمفردك، وبتعلم كيفية اتخاذ القرارات الخاصة بك، والثقة في حكمك. لا تسأل عن ما تحتاجه ولكن خذه. إعتمد فقط على حنكتك. والطريقة الوحيدة للحصول على الاعتماد على الذات أو أي قوة هي من خلال الجهد الكبير والممارسة. بالمقابل عليك أن تراهن على نفسك: في حين يتراجع الآخرون وينكمشون، يجب أن تفكر أنت في اتخاذ المخاطر، ومحاولة أشياء جديدة، والنظر إلى المستقبل الذي سيخرج من الأزمة الحالية. يجب أن تكون دائماً على استعداد للرهان على نفسك، على مستقبلك، من خلال سلوك الاتجاه الذي يبدو أن الآخرين يخشونه. فهذا يعني أنك تعتقد أنه إذا فشلت، فلديك الموارد الداخلية للتعافي. من خلال جعل نفسك تشعر بضرورة أن تكون خلاقاً، سوف يرتقي عقلك هذا القرار.”

ولكن في نفس الوقت فإن الاعتماد على الذات ليس مطلقاً لدى غرين، ففي جميع المجالات سواء في السعي نحو السلطة أو في قتال الأعداء ومحاربة الخصوم أو في اغواء الآخرين أو في السعي نحو الإتقان وتحقيق الذات، فإن الفرد يحتاج إلى الآخرين، فالعزلة لدى روبرت غرين خطرة جداً. إذ لا شيء في الحياة يحدث بالانعزال، كل شيء مترابط ببعضه وله سياق أوسع، هذا السياق يتضمن الأشخاص خارج دائرتك المباشرة الذين تؤثر بهم، تصرفاتك، الجمهور الأوسع، والعالم بأسره، يتضمن أيضاً السياسة، والثقافة والميديا، والطريقة التي يراك بها الجمهور العام. وبالتالي يركز روبرت غرين على استعمال حكمة الآخرين، ومعرفتهم، وعملهم البدني، وعلى إيجاد الحلفاء وصناعة التحالفات. ويقول: “إجمع فريق من المهارات يشاركك أهدافك وقيمك. وإصنع شبكة من الجواسيس. ولكن من المهم أن تكون واضحاً حيال ما تريده قبل أن تصدر أوامرك. اخلق شبكة متنقلة من الحلفاء جاعلاً الآخرين يعوضون عن النواقص التي لديك. يكمن هذا الفن في اختيار الحلفاء الذين يناسبون احتياجاتك الراهنة ويملأون ثغراتك. قدّم لهم الهدايا واعرض عليهم الصداقة، وساعدهم في وقت الحاجة. إن التحالفات التي تستطيع الاستفادة منها إلى أقصى حد هي تلك القائمة على المصلحة المتبادلة. تواصل مع الناس صعوداً وهبوطاً في السلسلة. فأنت ترغب في توسيع وصولك إلى أفكار مختلفة. إفرض على نفسك الذهاب إلى الأحداث والأماكن التي هي خارج دائرتك المعتادة.”

وهكذا يمكننا الاستنتاج أهمية الاعتماد على الذات في تشكيل المستقبل وفي تشكيل رؤيتنا إلى المستقبل، في ظل التنامي الإلكتروني والتكنولوجي السريع الذي يسهّل لنا الحياة ولكن في المقابل يزيد من إتكالنا على الكثير من الأمور لإنجاز المهام. بالإضافة إلى وسائل التواصل الإجتماعي وشبكات الإنترنت التي صارت تفرض علينا بعض التوجهات الفكرية بدون ان ننتبه إلى ذلك بما يشبّه الأمر بعملية غسيل دماغ، مما يحتّم الحاجة إلى تبنّي المزيد من الإعتماد على الذات والثقة بالنفس.