حُبّ القَدَر Amor Fati

 

لمى فياض

14 كانون الأول 2017، لبنان

يمنع نشر المقال الحاضر من دون التقيّد بشرط: ذكر اسم المؤلف ووضع رابط الـمدونة الإلكتروني(HTML Link) الذي يحيل الى مكان المصدر، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.

القَدَر

عرّفت ويكيبيديا “القَدَر” (Fate – Destiny) بأنه يشير إلى مسار محدّد مسبقاً من الأحداث. ويمكن أن يُنظر إليه على أنه المستقبل المُعدّ سلفاً، وهو مفهوم يقوم على الاعتقاد بأن هناك ترتيب ثابت للطبيعية في الكون.

القَدَر يمكن أن يُنظر إليه على أنه تسلسل محدّد من الأحداث التي لا مفرّ منها وغير قابلة للتغيير، أو أن الأفراد يمكنهم اختيار قدرهم من خلال اختيار مسارات مختلفة طوال حياتهم.

مفهوم القدر في الميثولوجيا

(مفهوم القَدَر في الميثولوجيا

 

الرضا بالقدر في الاسلام

القَدَر في الإسلام هو حكم الله وما قدّره من الأشياء بقدرته في سابق علمه، وللإيمان بالقدر أهمية كبرى بين أركان الإيمان عند المسلمين، حيث ورد التنصيص في السُّنة النبوية على وجوب الإيمان بالقدر خيراً كان أو شراً. والقدر هو تقدير الله تعالى للكائنات حسبما سبق به علمه، واقتضته حكمته. فالإيمان بالقضاء والقدر هو أحد أركان الإيمان الستة؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: “الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشرِّه”. رواه الإمام مسلم في ” صحيحه ” ( 1/36، 37، 38 ) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو جزء من الحديث .

وفي القرآن قوله جلّ وعلا:  (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) القمر:49. وقوله : (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) الفرقان:2. فليس هناك شيء بدون تقدير، أو أن هناك أشياء تقع صدفة، إن كل شيء يحدث فإنه مقدّر ومكتوب. 

وهكذا فإن معنى القدر في الاسلام هو ما قدّره الله بعلمه وقدرته، وأن الله قدر كل الأشياء في سابق علمه، وعلم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل أن يوجدها، ثم أوجد منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه. فلا يحدث حدث إلا بعلمه وقدرته وإرادته. والمخلوق لا يقدر على شيء إلا بعلم الله وقدرته وإرادته، فلا حول له ولا قوة إلا بالله. قال تعالى (والله خلقكم وما تعملون). أي أن الله هو الذي خلق العباد وخلق أفعالهم، ولا أحد سواه يخلق ذلك.

ومن هنا الدعوة للرضا بالقدر كون الرضا مَقامٌ عظيم من مقامات الإيمانِ واليقين، والتخلُّقُ به لا يتأتى إلا بعد طولِ عبادة وذِكر، وفهمٍ ومعرفة وفكر.

﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ البقرة: 216.   

قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ التغابن: 11. أي “هي المصيبات تصيبُ المرءَ فيَعلمُ أنها من عند الله فيسلِّم ويرضى”.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي وحسَّنه: ((إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)). وقال علقمة في معنى قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: 11]: هو الرجلُ تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى، ويُسلِّم.

 

1_cd429541-9c5e-47c7-b33b-df935d8d3ca8_large

العود الأبدي

العود الأبديُّ Eternal Return- Eternal Recurrence ، هو فكرة أنّ كلَّ ما هناك سوف يعود مرّةً أخرى، وأنّ ما حدث من قبل وما يحدث الآن سوف يحدث مرّةً أخرى أيضاً، بالطريقة نفسها في كلِّ مرّةٍ وإلى الأبد؛ فلن يحدث شيءٌ لم يحدث عدداً لا حصر له من المرَّات في تكرارٍ دقيقٍ للشيء نفسه. والنتيجة المنطقيّة التي تترتّب على ذلك هي أنّه ليس هناك بدايةٌ لهذا الكون ولا نهايةٌ، كما يصبح البحث عن منتصفٍ لهذه الدراما عبثاّ لا طائل من ورائه.

ليس، إذن، فكرة العود الأبديِّ مجرّد مفهومٍ، أو مقولةٍ فلسفيّةٍ على الاطلاق، ولكنّها تشبه فرضيّةً كونيّةً، أو قانوناً كونيّاً عنيداً. فالقول إنّ كلَّ ما هناك سوف يعود مرّةً أخرى، وإنّ ما حدث قد حدث، بالفعل، من قبل، هو، قبل كلِّ شيءٍ، تصوّرٌ لنظامٍ فكريٍّ يقف في الجهة الأخرى المقابلة من نظامٍ فكريٍّ آخر، ولا شكّ أنّ كِلا النظامين مفعمان بمبادئ وبمقولاتٍ لا غنى عنهما.

amorfatiquote

حب القدر (Amor Fati)

حب القدر هو حركة لاتجاه وتقبّل العود الأبدي فى هدوء (باللاتينية: أمور فاتي) (Amor Fati) وهو ما يعني تقبّلاً كاملاً لحدود العالم الكوني الذى نعيش فيه والإذعان لقوانينه اللا إنسانية باعتبارها الحدود المطلقة النهائية لكل الوجود، وإدراك أن عالمنا عالم سائل يخلق نفسه دائماً ويحطّم نفسه دائماً ويكرّر نفسه دائماً وبنفس الطريقة عالم بلا هدف يتحرك فى حركة دائرية عبثية، وفى تصوّر فريدريك نيتشه أنه، من خلال حب القدر والإذعان للحدود وتقبّل الدورات العبثية فإن الإنسان يحقق تحرّره من الديانات ذات الهدف المتجاوز، بل ومن أوهام الفكر الإنساني، أى أن الإنسان سيتحرّر تماماً من الأخلاقيات والأحلام والمستقبل والميتافيزيقا والحقيقة، ومن ثم يتحول عبء الوجود فى الصيرورة إلى مصدر للفرح والغبطة، إذ أن قبول العود الأبدي هو تأكيد أن الإنسان يوجد فى عالم الصيرورة ولا مفرّ منه.

فالإنسان العظيم لا يريد أن يغيّر أي شيء في أحداث حياته، وأن يتقبل ما يحدث من أعماقه لدرجة الحب، وهو ما يعبّر عنه نيتشه من خلال مفهوم حب القدر (Amor Fati). إذ يقول نيتشه في كتابه «العلم المرح» (The Gay Science ) مقطع 276: «أريد أن أتعلم أكثر فأكثر كيف أرى اللزوم في الأشياء، كنوع من الجمال، عندها سأكون واحدًا من أولئك الذين يجعلون الأشياء جميلة. Amor fati!  لن أخوض حربًا ضد القبح، لن أتهم إطلاقًا، لن أتهم حتى أولئك الذين يتهمون. ليكن اعتراضي الوحيد: صرف النظر! وبالجملة: فإني أريد يومًا ما أن أكون ممن يقولون نعم أمام الحياة دائمًا». ويظهر بوضوح أن مفهوم حب القدر إذا اقترن بفكرة العود الأبدي، فإنه سيعني أننا لن نحب الحياة الحالية فقط، بل أيضًا أننا سنحب تكرارها الأبدي، بالسيء فيها قبل الحسن. (تذكّر موتك Memento Mori)

 

amor_fati

 

وهكذا فإن أمور فاتي (Amor Fati) يستخدم لوصف الموقف الذي يرى المرء كل ما يحدث في حياته، بما في ذلك المعاناة والخسارة، كجيدة، أو على الأقل، لازمة، من حيث أنها من بين الحقائق من حياة الفرد والوجود، وعلاوة على ذلك، يتميز “أمور فاتي” أي حبّ القدر بقبول الأحداث أو الحالات التي تحدث في حياة المرء. وهذا القبول لا يمنع بالضرورة محاولة التغيير أو التحسن. تمّ ربط مفهوم “أمور فاتي” حب القدر مع إبيكتيتوس (Epictetus). كما كان مرتبطاً بكتابات ماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius)، الذي لم يستخدم نفس الكلمات (كتب باللغة اليونانية، وليس اللاتينية).

وإذ قال أبكتيتوس: “إذا قُدِّر لي أن أموت فلن أجد في الإقدام على الموت ما يدعو إلى التأوه والتألم، وإذا قدر لي أن أزج إلى السجن فلن أذهب إليه باكيًا منتحبًا، وإذا قُدِّر لي أن أعاني مرارة النفي فلن أذهب إلى منفاي مكتئبًا متخاذلًا، وإذا طلب إلي طاغية أن أفشي سرًا وهددني بأن يقيدني بالأصفاد، قلت له إنك تقيّد ساقي ولا تملك أن تمسّ إرادتي بسوء وإذا أرسلتني إلى السجن أمكنك أن تتحكم في جسدي دون أن تمتد قدرتك إلى نفسي، وإذا أنذرتني بفصل رأسي عن جسدي قلت لك ساخرًا: أنا الإنسان الوحيد الذي يستحيل قطع رأسه”. كما قال ابكتيتوس عن تقبّل القدر: ” لا تسعى إلى أن تحدث الأشياء بالطريقة التي تريدها. بدلاً من ذلك، تمنى أن يحدث ما يحدث بالطريقة التي تحدث: ثم سوف تكون سعيداً”.

والرجل الفاضل الحكيم الرواقي (Stoic) هو الذي “يقبل طوعًا كل ما يأتي به القدر من أحداث، حتى المصائب والنكبات، معتقدًا أنها داخلة في النظام الكلي والقضاء الإلهي. (كيف تصبح رواقياً؟ الرواقية الحديثة في القرن الواحد والعشرين) (حُبّ القَدَر Amor Fati)

من هنا جاء المفهومُ الرُّواقيُّ المتمثل في “آمور فاتي” amor fati [حُـبُّ القَدَر]، وهو حُبُّ نظام العالَم، الذي وضعوه في مركز كل فضيلة. يجبُ حُبُّ نظام العالَم لأنه طاعة خالصة لله. فمهما يمنحنا هذا الكونُ أو يُنزِلُ بنا فإنه يفعل ذلك عن طاعة فقط.

flame

كذلك كتب هوراس (Horace) “feras non culpes quod vitari non potest” (ما لا يمكن علاجه يجب تحملّه). ويقول لينكولن: “وهذا أيضاً يجب أن يمر”. في كتاب الحلقات الخمس، يقول موساشي “إقبل كل شيء كما هو عليه”.

ولاحظت فلوريدا ماكسويل سكوت في نهاية حياتها “التطور بطيء بالضرورة لأننا نستاء ذلك”. يقتبس شوبنهاور تشبيه من الكاتب المسرحي الروماني تيرنس عندما يقول أن “الحياة هي لعبة من الزهر. حتى لو كنت لا ترمي الرقم الذي تريد، لا يزال عليك أن تلعب وإلعبها بشكل جيد”.

عندما نتقبّل ما يحدث لنا، بعد أن نفهم أن أشياء معينة – وخاصة الأشياء السيئة – هي خارج سيطرتنا، ونحن نُترَك مع هذا: “محبة كل ما يحدث لنا ومواجهتها بالبهجة والقوة بلا هوادة”. وقد صاغ روبرت غرين (Robert Greene) مفهوم حبّ القدر (Amor Fati) في كتابه القانون الخمسون (The 50th Law) عندما تناول تجربة مغني البوب “The 50th Cent”، وقد صرّح روبرت غرين بما يلي: “نحن بحاجة إلى قبول حقيقة أن جميع الأحداث تحدث لسبب، وأنه في حدود قدرتك رؤية هذا السبب بإيجابية”.

حب القدر (Amor Fati) يدفعنا إلى القول: سنضع طاقاتنا وعواطفنا ومجهودنا فقط حيث سيكون لها تأثير حقيقي. هذا هو المغزى. لا يجب أن نعارض ما يحدث لنا بل أن نفتح ذراعينا ونعانقه وننظر إليه كأمر إيجابي لكي نحوّله إلى واقع إيجابي.

الإعلانات