موجز قوانين القوة الثمانية والأربعون

 

تلخيص: لمى فياض

30 حزيران 2018، صيدا، لبنان

 

فيما يلي موجز كتاب قوانين القوة الثمانية والأربعون (ثمانية وأربعون قانوناً للقوة) (The 48 Laws of Power) للكاتب الشهير روبرت غرين (Robert Greene)  الذي صدر في العام 1998 ونال شهرة واسعة. 

المرجع باللغة العربية: كيف تمسك بزمام القوة – ثمانية وأربعون قانوناً للقوة – روبرت غرين – ترجمة د. محمد توفيق البجيرمي – العبيكان للنشر

المقالات المرتبطة: (بالتاسار غراسيان وفن الحكمة الدنيوية – الجزء الأول) (جوتشي والإعتماد على الذات) (نظرية الوجه الغليظ والقلب الأسود) (صناعة السلطة والقوة – الجزء الأول) (قوانين الدهاء) (إمتلك دهاء الثعلب وذكاء الذئب) (كيف تنتصر على أعدائك)

 

القانون 1: لا تشرق أكثر من السيد.

لا تذهب أبعد من اللازم في إظهار مواهبك، وإلا فقد تحقق العكس أي تثير الخوف وانعدام الأمن.

إذ أن أولئك الذين يصلون إلى مراكز عليا في الحياة يريدون أن يشعروا بأنهم آمنون في مراكزهم ومناصبهم، وبأنهم متفوقون على من حولهم في الذكاء والحصافة والجاذبية. وإن عند استعراضك مواهبك والمباهاة بها لن تكسب عواطف السيد، فقد يتظاهر بتقديرها، ولكنه عند أول فرصة سيستبدل بك شخصاً آخر أقل ذكاءً وأقل جاذبية  وأقل تهديداً. ولكن بالعكس انفخ غروره واجعله يبدو أذكى منك، فتنال حظوته. ثم تحيّن اللحظة المناسبة، فإذا أخذ نجم رئيسك في الأفول فليس لديك ما تخشاه من التفوق عليه في الإشراق في اللحظات الحساسة المناسبة. أما إذا كان سيدك ثابتاً قويا في مركزه فانتظر الوقت المناسب وكن صبوراً.

 

القانون 2: لا تضع ثقة أكثر من اللازم في الأصدقاء وتعلم كيف تستخدم الأعداء.

كن حذراً من الأصدقاء، فسوف يخونوك، على نحو أسرع لأنهم يستفزون بسهولة إلى الحسد. كما أنهم يفسدون ويصبحون طغاة. ولكن استأجر عدواً وستجد أنه يصبح أكثر ولاء من صديق، لأن عليه أن يثبت الكثير. والواقع أنه لديك ما تخافه من الأصدقاء أكثر من الأعداء. فإن لم يكن لديك أعداء، فأوجد طريقة لكسب أعداء.

إن مفتاح السلطة هو في قدرتك في على أن تحكم من هو أقدر الناس على ترويج مصالحك في الأحوال كلها. احتفظ بالأصدقاء للصداقة ولكن اعمل مع المهرة والأكفاء. حاول أن تدفن خلافاتك مع عدوك كلما استطعت، وتوخَّ أن تتعمد أن تضعه في خدمتك كلما استطعت.

فبدون أعداء حولنا نصبح كسالى، ووجود عدو في أعقابنا يشحذ فطنتنا ويحافظ على تركيزنا ويقظتنا. وإن من الأفضل أحياناً استخدام الأعداء كأعداء بدلاً من تحويلهم إلى أصدقاء أو حلفاء. وإن المرء لا يمكن أن يصبح قوي بدون خصم ذي جدارة.

 

القانون 3: اخف نواياك.

ابق الناس في حالة عدم توازن وفي الظلام بعدم الكشف عن الغرض من وراء أعمالك، لأنهم إن لم يكن لديهم أي مؤشر على نواياك، فلن يستطيعوا تهيئة دفاع. دعهم يقطعون مسافة بعيدة عبر الطريق الخاطئ، وطوقهم بكمية كافية من الدخان، بحيث يكون الأوان قد فات عندما يدركون مقاصدك.

لا تنكشف كمخادع، ودع أعظم دهاء لك يكمن في تغطية ما يبدو دهاء.

 

القانون 4: قل دائماً أقل ما هو ضروري

قل دائماً أقل ما هو ضروري، وإلا فإنك تصبح عادياً ومبتذلاً كلما زاد ما تقوله، فتقل قدرتك على السيطرة على الأمور. وحتى عندما تقول شيئاُ تافهاً فإنه سيبدو أصيلاً إذا جعلته غامضاً ومفتوحاً كلغز أبي الهول.

عندما تقول أقل مما هو ضروري فإنك تظهر حتماً أكبر وأقوى مما أنت عليه، إذ أن صمتك يفقد الآخرين راحتهم. فالبشر الآت تفسير وتوضيح، يشعرون أن عليهم أن يعرفوا ما الذي تفكر به. فعندما تسيطر بدقة وعناية على ما تكشفه، فإنهم يعجزون عن تقويم نواياك أو مقاصدك، فتجعلهم يتخذون موقفاً دفاعياً.

 

القانون 5: يتوقف كل شيء على سمعتك، فحافظ عليها بحياتك.

السمعة هي حجر أساس السلطة. وعن طريق السمعة وحدها تستطيع أن تُرهب وتفوز، غير أنك إذا انزلقت فستصبح مكشوفاً وعرضة للهجوم من كل جانب. فاجعل سمعتك منيعة تستعصي على الهجوم. وكن يقظاً على الدوام إزاء الهجمات المحتملة، وأحبطها قبل وقوعها. وفي غضون ذلك، تعلم كيف تدمر أعداءك بفتح ثغرات في سمعاتهم، ثم قف جانباً وأترك الرأي العام يشنقهم.

إن عليك في البدء أن تبدأ ببناء سمعة لصفة بارزة فيك، سواء أكانت الكرم أم النزاهة أم المكر والدهاء. فهذه الصفة تفردك عن الآخرين وتجعلهم يتحدثون عنك. ثم تُعرّف أكبر عدد ممكن من الناس بهذه السمعة (ولكن بصورة ذكية خفية، واعتنِ بالبناء ببطء، وعلى أساس صلب) ثم تفرّج عليها وهي تنتشر كالنار في الهشيم. فالسمعة الصلبة تعزز حضورك، وتبالغ في قواك دون أن تضطر إلى صرف طاقة كبيرة. بل إنها تستطيع أن تخلق حولك هالة تغرس في النفوس الاحترام، وحتى الخوف.

وبما تكون قد لوثت سمعتك بحيث لا تستطيع بناء سمعة جديدة. وفي مثل هذه الحالات، فإن من الحكمة أن ترتبط بشخص صورته معاكسة لصورتك، مستخدماً سمعته النظيفة لتبييض سمعتك والارتفاع بها.

 

القانون 6: أكسب لفت الأنظار بكل ثمن.

كل شيء يُحكم عليه بمظهره، وما هو خفي لا يساوي شيئاً. فلا تترك نفسك تضيع وسط الحشد بل ابرز وكن لافتاً للأنظار بكل ثمن. اجعل نفسك مغناطيس اهتمام بظهورك أكبر، وأسطع ألواناً وأكثر غموضاً من الجماهير العادية الوجلة.

أحط اسمك بالإثارة والفضيحة. الفت الأنظار إلى نفسك بخلق صورة لا تُنسى، بل وحتى مثيرة للجدل والخلاف. ابحث عن الفضيحة، وافعل أي شيء يجعلك تبدو أكبر من الحياة، وتشرق بسطوع أكثر ممن حولك. ولا تميز بين أنواع الاهتمام، فالشهرة السيئة من أي نوع تجلب لك نفوذاً وسلطة. فالتشهير بك ومهاجمتك خير من تجاهلك.

 

القانون 7: اجعل الآخرين يقومون بالعمل نيابة عنك، ولكن احصل على الفضل دائماً.

استعمل حكمة الآخرين، ومعرفتهم، وعملهم البدني الأساسي لتقدم قضيتك أنت. لأن هذه المساعدة لن تقتصر على توفير زمن وطاقة نفيسين، بل ستعطيك هالة شبه قدسية من الكفاءة والسرعة، وفي آخر الأمر ينسى الناس مساعديك ويتذكرونك أنت. قلا تعمل قط بنفسك ما يستطيع الآخرون عمله لك.

إن عليك أن تضمن نسبة الفضل إلى نفسك وتمنع الآخرين من سرقته، أو من الصعود على أكتافك بالانتفاع من عملك الشاق. ولتحقيق ذلك يتعين عليك أن تظل دائماَ يقظاً وبلا رحمة. وأن تكتم اختراعك بهدوء حتى تتأكد من عدم وجود نسور تعيش على الجيف محلقة فوق رأسك.

 

القانون 8: اجعل الآخرين يأتون إليك، واستعمل طعماً عند الضرورة.

عندما ترغم الآخرين على التصرف، تكون أنت المسيطر. ومن الأفضل دائماً أن تجعل خصمك يأتي إليك، متخلياً عن خططه الخاصة أثناء مجيئه. اغره بمكاسب خرافية – ثم شن هجومك. إذ أنك تملك الأوراق.

ليس الفعل العدواني فعلاً مؤثراً، وفي أغلب الحالات يكون أكثر الأفعال تأثيراً هو الانتظار والمحافظة على رباطة الجأش، وتثبيط الآخرين وإحباطهم بالمصايد التي تنصبها لهم، مراهناً على السلطة في المدى البعيد، بدلاً من نصر سريع.

 

القانون 9: اكسب من خلال أعمالك وليس من خلال النقاش أبداً.

إن أي انتصار خاطف تظن أنك حققته عن طريق النقاش، إنما هو في الحقيقة انتصار بيروسي باهظ الثمن. إذ إن الغضب والضغينة اللذين تثيرهما أقوى وأبقى من أي تغيير سريع ومؤقت في الرأي. وإن من الأقوى لك بكثير أن تجعل الآخرين يتفقون معك من خلال أعمالك دون أن تقول كلمة واحدة. أعطِ المثل العملي وليس التفسير الكلامي.

إفهم هذا: الكلمات رخيصة جداً. وكل شخص يعرف بأننا في غمرة الجدل الساخن نقول أي شيء لدعم قضيتنا. فقد نقتبس من الكتاب المقدس، أو نشير إلى احصائيات لا يمكن التأكد منها. فمن الذي يمكن إقناعه بأكياس من الهواء هكذا؟ فالفعل وإظهار الشيء عملياً أمام الآخرين أقوى بكثير وأكثر امتلاءً بالمعنى. وهذا متاح لنا وأمام أعيننا لنراه. إذ لا يستطيع أحد أن يجادل في برهان معروض أمامه عملياً.

 

القانون 10: العدوى، تجنب التعيس وسيء الحظ.

قد تموت من تعاسة شخص آخر، فالحالات العاطفية معدية كالأمراض. وقد تشعر بأنك تساعد الغريق، ولكنك إنما تعجل بكارثة تحيق بك أنت. فذوو الحظ السيء يجلبون الكارثة على أنفسهم أحياناً، وسيجلبونها عليك أيضاً. فارتبط بالسعداء والمحظوظين بدلاً من هؤلاء.

إن تعساء الحظ بيننا ممن سقطوا بفعل ظروف خارجة عن سيطرتهم، يستحقون كل عطف نستطيع أن نقدمه لهم. ولكن هناك آخرين لم يولدوا للتعاسة، بل إنهم يجرّونها على أنفسهم بفعل أعمالهم المدمرة، وتأثيرهم المؤدي إلى عدم استقرار الآخرين. ولو أننا استطعنا انتشالهم من حالتهم هذه لكان شيئاً عظيماً، إذ تتغير أنماط حياتهم. ولكن هذه الأنماط هي التي غالباً ما ينتهي بها المطاف بالدخول في جوفنا وتغييرنا. والسبب في ذلك بسيط: إذ ان البشر معرَّضون بشدة إلى اكتساب أمزجة من يمضون معهم أوقاتهم، والتأثر بعواطفهم، وحتى طرائق تفكيرهم.

وهناك أناس يجتذبون السعادة إلى أنفسهم بمرحهم، وابتهاجهم الطبيعي وذكائهم. فهم مصدر للمسرة، وعليك أن تختلط بهم، كي تشاطرهم الازدهار الذي يجتذبونه إلى حياتهم.

 

القانون 11: تعلّم أن تبقي الناس معتمدين عليك.

للحفاظ على استقلالك يجب أن يبقى الناس محتاجين إليك راغبين بك. وكلما زاد الاعتماد عليك زادت حريتك. فاجعل الناس يعتمدون عليك في سعادتهم وفلاحهم ولن يكون لديك ما تخشاه. وإياك أن تعلمهم ما يكفي لتمكينهم من الاستغناء عنك.

كن الوحيد القادر على عمل ما تعمله. واجعل مصير مستأجريك مرتبطاً مع مصيرك، بحيث لا يستطيعون الاستغناء عنك، أو التخلص منك بحال من الأحوال. وإلا فسوف تجد نفسك ذات يوم مرغماً على عبور جسر التنهدات الخاص بك.

 

أأأننننننن

 

 

 

 

 

القانون 12: استخدم الصدق والكرم بطريقة انتقائية لنزع سلاح ضحيتك.

إن حركة مخلصة وصادقة واحدة تطغى على عشرات من الحركات الكاذبة غير النزيهة. فإشارات الصدق والكرم الدالة على القلب المفتوح تجعل أكثر الناس ارتياباً يتخلون عن حرصهم وحذرهم. وما أن يفتح صدقك الانتقائي ثغرة في درعهم حتى تتمكن من خداعهم والتلاعب بهم كما تشاء. وهدية في وقتها المناسب –كحصان طروادة- سوف تخدم الغاية نفسها.

إن جوهر الخداع هو تشتيت الانتباه. فتشتيت انتباه الناس الذين تريد أن تخدعهم يمنحك الوقت والمساحة للقيام بشيء لا تريد أن يلاحظوه. وكثيراً ما يكون العمل الذي فيه كرم أو لطف أو صدق أقوى شكل من أشكال تشتيت الانتباه لأنه ينزع سلاح شكوك الناس الآخرين، فيحولهم إلى أطفال يلعقون بتشوق أي نوع من إشارات العطف.

 

القانون 13: عندما تطلب المساعدة خاطب في الناس مصالحهم الذاتية وليس رحمتهم أو عرفانهم.

إذا احتجت التوجه إلى حليف طلباً للمساعدة، فلا تكلف نفسك عناء تذكيره بمساعدتك الماضية وأعمالك الطيبة، لأنه سيجد طريقة ليتجاهلك. وبدلاً من ذلك اكشف عن شيء في طلبك، أو في تحالفك معه سيفيده، وأكده وضخمه أكثر من أي تناسب، وسوف يستجيب بحماس عندما يدرك أن في الأمر شيئاً يكسبه لنفسه.

في سعيك لاكتساب السلطة، سوف تجد نفسك باطراد في وضع من يطلب المساعدة ممن هم أقوى منك. وهناك فن لطلب المساعدة يعتمد على قدرتك على فهم الشخص الذي تتعامل معه، وأن لا تخلط بين حاجاتك وحاجاته.

إن المصلحة الذاتية رافعة تحرك الناس. فعندما تجعلهم يرون كيف تستطيع بطريقة ما أن تلبي احتياجاتهم أو تحرز تقدماً لقضيتهم، فإن مقاومتهم لطلباتك بالمساعدة سوف تتساقط بطريقة سحرية. وعند كل خطوة على طريق حصولك على السلطة، يجب أن تدرب نفسك على شق طريقك بالتفكير إلى داخل عقل الشخص الآخر، كي ترى احتياجاته ومصالحه وتتخلص من حجاب مشاعرك الخاصة التي تحجب الحقيقة وتحيطها بالغموض. أتقن هذا الفن، ولن تكون هناك حدود لما تستطيع تحقيقه.

 

القانون 14: اتخذ وضع الصديق واعمل كجاسوس.

إن معرفة المعلومات عن منافسك لها أهمية حساسة، فاستخدم الجواسيس للحصول على معلومات قيمة تجعلك متقدماً عليه بخطوة. وأفضل من ذلك أن تؤدي دور الجاسوس بنفسك. ففي المقابلات الاجتماعية المهذبة، تعلم أن تسبر الأغوار واطرح أسئلة غير مباشرة، لجعل الناس يكشفون نقاط ضعفهم ونواياهم. وليست هناك مناسبة لا تصلح كفرصة للتجسس المتفنن.

إن قوة التفنن في التجسس تجعلك تبدو كليّ القدرة شفاف البصيرة كأنك تملك قوة التنبؤ. إن معرفتك بهدفك تجعلك آسر الجاذبية كذلك، بحيث تستطيع أن تعرف رغبات الآخرين سلفاً. ولا أحد يرى مصدر قوتك وسلطتك. وما لا يستطيع منافسوك أن يروه، لا يستطيعون أن يقاتلوه.

 

القانون 15: اسحق عدوك سحقاً كلياً.

لقد عرف كل القادة العظام منذ النبي موسى (ع) أن العدو المرهوب يجب سحقه بصورة كاملة. فإذا تركت جمرة واحدة مشتعلة، مهما كان احتراقها داكناً خافتاً، فإن تاراً ستندلع منها في آخر الأمر. فالتوقف في وسط الطريق يؤدي إلى خسارة ما هو أكثر مما لو كانت الإبادة كلية. فالعدو سوف يتعافى وسيبحث عن الانتقام. فاسحقه، لا جسدياً فحسب بل في الروح كذلك.

“إن سحق العدو” شعار هام وثابت واستراتيجي… والفكرة بسيطة: فأعداؤك يتمنون لك الضرّ. وليس هناك ما يريدونه أكثر من إزالتك. فإذا توقفت في منتصف الطريق في صراعهم معك، أو حتى عند ثلاثة أرباع الطريق، بسبب الرحمة أو الأمل في الصلح، فإنك لا تفعل سوى زيادة تصميمهم وزيادة شعورهم بالمرارة، وسوف ينتقمون ذات يوم. فقد يتصرفون بطريقة ودية مؤقتاً، ولكن سبب ذلك هو أنك هزمتهم. فلم يبق لديهم خيار سوى انتظار فرصة جديدة.

والحل: لا ترحم. اسحق أعداءك بشكل كلي كما سيسحقونك إن استطاعوا. وفي آخر الأمر، فإن السلام والأمن الوحيدين اللذين يمكنك أن تأمل في الحصول عليهما من أعدائك يكمنان في اختفاء أولئك الأعداء.

 

القانون 16: استخدم الغياب لزيادة الاحترام والتكريم.

إن زيادة التداول عن حده يرخص السعر. فكلما زادت مشاهدتك والسماع منك ظهرت مبتذلاً أكثر. فإذا كانت مكانتك راسخة في مجموعة ما، فإن الانسحاب المؤقت منها يزيد الحديث عنك، وحتى الاعجاب بك. وعليك أن تتعلم متى تغادر. اخلق القيمة عن طريق القدرة.

إن ما ينسحب، وما يصبح نادراً، يبدو فجأة أنه يستحق احترامنا وتكريمنا. أما ما يبقى مدة أطول من اللازم فيغمرنا بحضوره، فإنه يجعلنا نحتقره.

إن كل شيء في الدنيا يعتمد على الغياب والحضور. فالحضور القوي يجذب اليك السلطة والنفوذ والانتباه – فتشرق أسطع ممن حولك. ولكن هناك نقطة حتمية يصبح عندها الحضور أكثر من اللازم منتجاً لأثر عكسي: فكلما زادت رؤيتك، والسماع منك، تهبط قيمتك أكثر، لأنك تصبح عادة. ومهما حاولت أن تبدو مختلفاً فإن احترام الناس لك يقل شيئاً فشيئاً، بطريقة خفية، دون أن تدري لماذا. فيجب عليك أن تتعلم كيف تنسحب في اللحظة المناسبة قبل أن يطردك الناس على نحو لاشعوري. إنها لعبة الاختفاء والبحث.

 

القانون 17: ابقِ الآخرين في رعب مقيم، كرس جواً من استحالة التنبؤ بحركاتك.

البشر أبناء العادة، وفيهم تعطش لا يرتوي لرؤية ما هو معروف ومألوف في أعمال الناس الآخرين. وإن إمكانية التنبؤ بحركاتك تعطيهم إحساساً بالسيطرة. فاقلب الموائد، وتعلم أن تكون شخصاً يستحيل التبؤ بحركاته. إذ أن السلوك الذي يبدو بل تجانس ولا هدف سيبقيهم بلا توازن، فيرهقون أنفسهم في محاولة توضيح تحركاتك. وإذا أُخِذت هذه الاستراتيجية إلى حدها الأقصى فإنها تستطيع أن تخيف وتُرهِب.

في الحياة، عندما يعجز الناس عن فهم ما تفعل، فإنهم يبقون في حالة رعب، ينتظرون، غير متأكدين، ومحتارين مشوشين. لا شيء يثير الرعب أكثر مما هو مفاجئ ويصعب التنبؤ به.

 

القانون 18: لا تبنِ قلاعاً لحماية نفسك – فالعزلة خطرة.

العالم مكان خطر والأعداء في كل مكان. وعلى الجميع أن يحموا أنفسهم. وتبدو القلعة هي الأسلم. ولكن العزلة تعرضك لأخطار أكثر من تلك التي تحميك منها – فهي تعزلك عن معلومات ثمينة، كما أنها تجعلك بارزاً للعيان وهدفاً سهلاً. وأفضل من ذلك أن تتجول بين الناس، وتجد حلفاء، وتختلط. فأنت محمي من أعدائك بجمهور الناس.

تراجع إلى داخل قلعة، فتفقد اتصالك بمصادر قوتك وسلطتك. وتبتعد أذنك عن سماع ما يجري حولك، وتفقد إحساسك بالتناسب. وبدلاً من أن تكون أسلم، فإنك تقطع نفسك عن نوع المعرفة التي تعتمد عليها حياتك. فإياك أن تعزل نفسك بعيداً عن الشوارع إلى درجة تجعلك عاجزاً عن سماع ما يدور من حولك، بما في ذلك المؤامرات ضدك.

في حالات الخطر وانعدام اليقين، أنت بحاجة إلى مكافحة هذه الرغبة بالانكفاء إلى الداخل. وبدلاً من ذلك اجعل وصول الآخرين إليك أسهل، وابحث عن الحلفاء القدامى وكوّن تحالفات جديدة، وافرض نفسك على دوائر مختلفة أكثر فأكثر. فقد كانت هذه هي الخدعة التي طبقها ذوو السلطة قروناً متطاولة.

 

القانون 19: إعرف مع من تتعامل، لا تغضب الشخص غير المقصود.

هناك أنواع كثيرة من الناس في العالم، ولا يمكنك أبداً أن تفترض أن رد فعل الجميع على خططك الاستراتيجية سيكون بالطريقة نفسها. إذا خدعت بعض الناس أو تفوقت عليهم في المناورة، فسوف يمضون بقية حياتهم في السعي للانتقام. فهم ذئاب في ملابس الحملان. وإذن فإن عليك أن تختار ضحاياك وخصومك بعناية – وإياك أن تغضب، أو تخدع الشخص غير المقصود.

إياك أن أن تفترض أن الشخص الذي تتعامل معه أضعف منك أو أقل أهمية. فبعض الرجال لديهم حلم يجعل غضبهم من الإهانة بطيئاً، مما يجعلك تخطئ في الحكم على قدرة تحمّلهم، ولا تقلق من عواقب إهانتهم. غير أنك إذا أهنت شرفهم وعزّة نفسهم، فسوف يغمرونك بطوفان من العنف يبدو مفاجئاً وكاسحاً.. إذا فكّر المرء في بطء غضبهم. فإذا أردت أن ترفض ما يعرضه الناس عليك فإن من الأفضل أن تفعل ذلك بطريقة مهذبة وفيها احترام لهم، حتى ولوشعرت أن طلبهم وقح أو أن عرضهم سخيف. وإياك أن ترفضهم بشكل مهين، حتى تعرفهم على نحو أفضل، فربما يكون من تتعامل معه هو جنكيزخان.

لا يمكنك أبداً التأكد من نوعية الشخص الذي تتعامل معه. فالرجل الذي لا أهمية له ولا موارد اليوم قد يصبح ذا سلطة غداً. فنحن ننسى كثيراً في حياتنا، ولكن نادراً ما ننسى الإهانة.

 

القانون 20: لا تلتزم بأحد. بل دع الجميع يتوددون إليك.

إن الأحمق هو الذي يتسرع بالانحياز إلى طرف من الأطراف. لا تلتزم بأي طرف أو قضية سوى نفسك. فبالحفاظ على استقلالك تصبح سيد الآخرين – اجعل الناس يقف بعضهم ضد بعض، فبذلك يتبعونك ويلحقون بك.

إذا سمحت للناس أن يشعروا بأنهم يملكونك إلى أي درجة، فإنك ستفقد كل سلطة عليهم. فبعدم إلزام عواطفك بشيء ستجعل الناس يحاولون كسبك بجدية أكثر. إبقَ مترفعاً وسوف تكسب السلطة التي تأتي من اهتمامهم ورغبتهم المحبَطة. أعطهم الأمل، ولكن لا تشبع رغبة أحد منهم أبداً.

إنك تحتاج إلى إبقاء نفسك من الداخل متحرراً من التشابكات العاطفية، وأن تنظر إلى من حولك باعتبارهم بيادق في طريق صعودك إلى القمة. إنك لا تستطيع أن تجعل نفسك رهينة بخدمة أي قضية.

إن الناس الذين يسارعون إلى دعم الآخرين يميلون إلى أن لا يكسبوا احتراماً يذكر في هذه العملية، لأن الحصول على مساعدتهم يتم بسهولة شديدة. اما أولئك الذين ينتظرون على مبعدة، فيجدون أنفسهم محاصرين بالمتضرعين إليهم. ذلك لأن ترفعهم مصدر قوة لهم، فكل طرف يريدهم إلى جانبه.

 

القانون 21: العب دور المغفل لتمسك بمغفل – اظهر أنك أبلد من هدفك.

لا أحد يحب الشعور بأنه أغبى من الشخص الآخر. فالخدعة إذن هي أن تجعل ضحاياك يشعرون بأنهم أذكياء – وليسوا أذكياء فقط، بل أذكى منك. وعندما يقتنعون بذلك، فإنهم لن يشكوا أبداً في أن لديك أهدافاً خفية.

نظراً لأن فكرة الذكاء شديدة الأهمية لغرور معظم الناس، فإن من المهم عدم إهانة قوة ذهن شخص ما أو الطعن فيها. فذلك ذنب لا يغتفر. ولكنك إن استطعت أن تجعل هذه القاعدة الحديدية تعمل لصالحك، فإنها تفتح أمامك كل أنواع طرائق الخداع. ولذا اطَمئِن الناس بدون وعي بأنهم أذكى منك، أو حتى بأن فيك شيئاً من البَلَه والغفلة، وعندئذ تستطيع أن تدحرهم بشكل حاسم. فشعور التفوق العقلي الذي تمنحهم إياه سوف يجرِّد عضلات الشك لديهم من قوتها.

 

القانون 22: استخدم تكتيك الاستسلام، حوّل الضعف إلى قوة.

عندما تكون أنت الأضعف، فإياك أن تقاتل من أجل الشرف، واختر الاستسلام بدلاً من ذلك. فالاستسلام يعطيك فرصة لاسترداد عافيتك، وقتاً لتعذيب غالبك وإزعاجه، وقتاً لانتظار قوته التي تتضاءل. فلا تعطه متعة إشباع رغبته بمقاتلتك وهزيمتك – استسلم أولاً. فبإدارتك للخد الآخر تثير خصمك وتزعزع استقراره. اجعل الاستسلام أداة للقوة.

لا أحد يأتي لنجدة الضعيف.

الاستسلام يخفي قوة عظيمة: فهدهدة العدو حتى يستنيم للرضا عن نفسه، تعطيك فرصة لتعويض الخسارة واستعادة العافية، ووقتاً للتقويض ووقتاً للانتقام. فلا تهدر ذلك الوقت بالتضحية به لأجل الشرف في معركة لا تستطيع أن تكسبها.

 

القانون 23: ركّز قواك.

حافظ على قواك وطاقاتك بإبقائها عند مركزة عند أقوى نقاطها. فإنك تكسب بالعثور على منجم غني وتعدينه في العمق أكثر مما تكسب من التفلت من منجم ضحل إلى آخر – فالكثافة تهزم الاتساع في كل مرة. وعند البحث عن مصادر قوى لترفعك، اعثر على الراعي الهام الوحيد، على البقرة السمينة التي ستعطيك حليباً لوقت طويل في المستقبل.

العقل يجب أن لا يتوزع متنقلاً من هدف إلى هدف أو يلهيه النجاح من الاحساس بالقصد والانسجام. فما هو مركز، ومتجانس، ومرتبط بماضيه، يكون قوياً. أما ما هو مشتت، ومنقسم، ومتضخم، فإنه يتعفن ويسقط على الأرض. وكلما زاد انتفاخه المنفوش، كان سقوطه أقسى.

من سوء حظ ذوي الاهتمامات العامة الواسعة، إنهم بينما يملكون اصبعاً في كل كعكة، فليست هناك كعكة يملكونها.

 

القانون 24: إلعب دور رجل الحاشية الأمثل.

إن رجل الحاشية الأمثل ينتعش ويزدهر في عالم يدور فيه كل شيء حول السلطة والبراعة السياسية. فقد أتقن فن التحرك غير المباشر، وهو يتملق ويداهن، ويستسلم لمن هم أعلى منه. ويؤكد سلطته على الآخرين بأكثر الطرق مواربة وكياسة. تعلّم أن تطبق قوانين رجال الحاشية، ولن يكون هناك حد للمدى الذي يمكنك الصعود إليه في البلاط.

رجال الحاشية العظام يشعرون العاهل بملوكيته أكثر، ويجعلون كل شخص آخر يخشى سلطتهم. وهم سَحَرَةُ مظاهر، لعلمهم بأن معظم الأشياء في البلاط يُحكم عليها بحسب مظهرها. وهم لطفاء كيّسون ومهذبون. وعدوانيتهم مقنّعة وغير مباشرة. كما أنهم يتقنون استخدام الكلمات، فلا يقولون أبداً أكثر مما هو ضروري. ويستخرجون أكثر ما يمكن استخلاصه من كلمة مدح او إهانة. وهم مغنطيس مسرّات – يحب الناس أن يكونوا بالقرب منهم لأنهم يعرفوا كيف يَسُرُّون، ومع ذلك فهم لا يتزلفون ولا يذلون أنفسهم. وهم يفوزون بالحظوة لدى الملوك، متمتعين بمزايا ذلك المنصب. وكثيراً ما ينتهي بهم الأمر إلى أن يصبحوا أقوى من الحاكم، لأنهم سحرة في تجميع النفوذ المتراكم.

 

القانون 25: أعِد تشكيل نفسك.

لا تقبل الأدوار التي يفرضها أو يدسّها عليك المجتمع. وأعِد تشكيل نفسك بتكوين هوية جديدة يكون من شأنها أن تكسب الاهتمام ولا تشعر الجمهور بالملل أو السأم. وكن السيد المسيطر على صورتك، بدلاً من أن تترك الآخرين يحددونها لك. وأدخل في إشاراتك وأعمالك العلنية تدابير مفاجئة لافتة للنظر، وعندئذ يتسع نفوذك وتبدو صورتك أكبر من الحياة.

إفهم هذا: يريد العالم أن يوكل إليك دوراً في الحياة. وبمجرد أن تقبل الدور، تحكم على نفسك بالإخفاق. إذ أن سلطتك محدودة بالقدر الضئيل المخصص للدور الذي اخترته أو فُرِض عليك أن تؤديه. غير أن الممثل، من جهة أخرى، يلعب أدواراً كثيرة. فتمتع بتلك القوة السريعة التقلب، وإذا كانت بعيدة عن متناولك، فلا أقل من أن تلفق هوية جديدة تصنعها بنفسك، هوية لا تقيدها حدود يعيّنها لك عالَمٌ حاسدٌ أو ساخط. فهذا النوع من الفعل المتحدي يجعلك مسؤولاً عن صنيعتك التي خلقتها بنفسك.

إن هويتك الجديدة ستحميك من العالم لأنها بالضبط ليست “أنت”. بل هي زيٌ ترتديه وتخلعه. ولا حاجة بك لأخذها على محمل شخصي. وهويتك الجديدة تجعلك متفرداً منفصلاً، وتعطيك حضوراً مسرحياً. فالجالسون في الصفوف الخلفية يرونك ويسمعونك. أما الذين في الصفوف الأمامية فيتعجبون من وقاحتك وصلفك.

 

القانون 26: ابقِ يديك نظيفتين.

يجب أن تبدو مثالاً للكياسة والكفاءة، فيداك لا تتلوثان قط بالأخطاء والأفعال الشنعاء. فحافظ على مثل هذا المظهر النظيف بلا بقع، باستخدام الآخرين ككباش فداء، ومخالب قط للتغطية على تورطك.

اخفِ أخطاءك – احتفظ بكبش فداء قريب ليتلقى اللوم. إن نظافة اسمنا وسمعتنا تعتمد على ما نخفيه أكثر من اعتمادها على ما نكشفه. فالجميع يخطئون. ولكن البارعين فعلاً يتدبرون أمر إخفاء أخطائهم، ويضمنون وقوع اللوم على شخص آخر. فيجب إبقاء كبش فداء جاهز وقريب دائماً لمثل هذه اللحظات.

استفد من مخلب القط. إذا كان هناك شي كريه أو غير شعبي يتعين عمله، فإن قيامك به بنفسك يعرضك لمخاطر شديدة للغاية. وعندئذ تحتاج إلى مخلب قط – إلى شخص يقوم بالعمل القذر الخطِر نيابة عنك. فمخلب القط يلتقط لك ما تحتاج إليه، ويؤذي من تحتاج إلى إيذائه، ويحجب الناس عن ملاحظة كونك أنت المسؤول. دع شخصاً آخر يكون هو الجلاد، أو حامل الأخبار السيئة، بينما لا تأتي أنت إلا بالمرح والأخبار السارة.

 

القانون 27: استغل حاجة الناس للإيمان لخلق أتباع طقوسيين.

في الناس رغبة جامحة للإيمان بشيء ما. فاجعل نفسك النقطة المركزية لهذه الرغبة بإعطائهم قضية، وإيماناً جديداً يتبعونه. أبق كلماتك غامضة ولكن ملأى بالوعود، وشدّد على الحماس أكثر من العقلانية والتفكير الواضح. وأعط أتباعك الجدد طقوساً يؤدونها. واطلب منهم أن يقدموا تضحيات بالنيابة عنك. وفي غياب الدين المنظم الصحيح والقضايا الكبرى، فإن نظامك الإيماني الجديد سوف يأتيك بسلطة لم يسمع بها أحد من قبل.

الخطوة الأولى: أبق الأمر غامضاً، أبق الأمر بسيطاً.

الخطوة الثانية: ركز على البصري والحسي أكثر من الفكري.

الخطوة الثالثة: اقتبس أشكال الدين المنظّم لهيكلة المجموعة.

الخطوة الرابعة: موّه مصادر دخلك.

الخطوة الخامسة: أقم حركية “نحن” ضد “هم”.

 

القانون 28: ادخل معمعة العمل بجرأة.

إذا لم تكن متأكداً من سياق عمل ما، فلا تحاوله. إذ أن حالات الشك والتردد عندك ستنتقل بعدواها إلى أدائك في التنفيذ. فالتخوف خَطِر. والأفضل هوالشروع في العمل بجرأة، لأن أي أخطاء ترتكبها عن طريق الصفاقة، يمكن تصحيحها بالمزيد من الصفاقة. فالجميع يعجبون بالجريء، ولا أحد يكرّم الرعديد المخلوع الفؤاد.

التردد يضع العقبات في طريقك، والجرأة تزيلها.

 

القانون 29: خطّط طوال الطريق حتى النهاية.

إن الإنهاء هو كل شيء، فخطّط طيلة الطريق كله حتى تصل إليه. آخذاً في الحسبان كل العواقب والعقبات، وتقلبات الحظ المحتملة التي قد تعاكس عملك الجدي الشاق وتعطي المجد للآخرين. وبالتخطيط حتى الختام لن تتغلب عليك الظروف وستعرف متى تتوقف. وجِّه الحظ بلطف، وساعده على البتّ في المستقبل بالتفكير مقدماً وإلى مدى بعيد.

معظم الرجال تحكمهم قلوبهم، لا رؤوسهم. فخططهم غامضة. وعندما يواجهون عقبات، يرتجلون لها حلولاً ملفَّقة كيفما اتفق. ولكن الارتجال لن يزيد على إيصالك إلى الأزمة التالية، وهو ليس أبداً بديلاً للتفكير سلفاً بعدة خطوات، وللتخطيط حتى النهاية.

إن الإنهاء هو كل شيء. إن نهاية العمل هي التي تقرر من سيحصل على المجد، والمال، والجائزة. فاختتامك لعملك يجب أن يكون شفاف الوضوح، وعليك أن تبقي ذلك ماثلاً في ذهنك. كما أن عليك أن تفكر في كيفية إبعاد نسور الجيف التي تحوم فوق رأسك، محاولةً أن تقتات على جثةٍ من صنعك. وعليك أن تتوقع سلفاً الأزمات الكثيرة المحتملة التي قد تغريك بالارتجال.

إن خطتك يجب أن تشمل بدائل وأن تحتوي على قدر من المرونة. وهذا صحيح بالتأكيد. فإذا انحبست في خطة بشكل متزمت مفرط الجمود، فإنك ستعجز عن التعامل مع تقلبات الحظ المفاجئة. فعند تفحصك لاحتمالات المستقبل والبتّ في هدفك، يتعين عليك أن تبني البدائل، وتفتح طرقاً جديدة نحو ذلك الهدف.

 

القانون 30: إجعل منجزاتك تبدو بلا جهد.

ينبغي أن تبدو أعمالك طبيعية ومنفذة بيسر وراحة. ويجب إخفاء كل الكدح والخبرة العملية الداخلة في تلك الأعمال، وكذلك الحيل البارعة. فعندما تتصرف، تصرف سهواً رهواً بلا جهد وكأن باستطاعتك أن تفعل أكثر من ذلك بكثير. تجنب إغراء الكشف عن مدى المشقة الجادة التي تتجشمها في عملك – لأن ذلك لا يزيد على إثارة التساؤلات. ولا تعلم حيلك أحداً من الناس، وإلا فإنها سوف تُستخدم ضدك.

يجب عليك، باعتبارك شخصاً ذا سلطة، أن تبحث وتتدرب بصورة لا تنتهي قبل أن تظهر علناً للملأ، وإياك أن تفضح عرقك وكدحك الكامنين خلف موقفك العلني. ويعتقد البعض ان مثل هذا الكشف سيظهر مثابرتهم وصدقهم ونزاهتهم، غير أنه في الواقع لا يزيد على جعلهم يبدون أضعف، أو كأن أي شخص يتدرب ويعمل في ذلك المجال يمكنه أن يحقق ما يحققوه، أو كأنهم ليسوا في الحقيقة أكفاء للمهمة. فاحتفظ بجهدك واحابيلك لنفسك، وعندئذ ستبدو وكأنك تملك رشاقة أحد الآلهة ولياقته وتحرره من التكلف. ذلك أن المرء لا يرى مصدر سلطة الآلهة مكشوفاً، بل يرى تأثيراتها فحسب.

 

القانون 31: تحكم بالخيارات واجعل الآخرين يلعبون بالأوراق التي توزعها.

إن أفضل الأحابيل هي تلك التي يبدو أنها تعطي الشخص الآخر خياراً: فيشعر ضحاياك أنهم هم المسيطرون، بينما هم في الحقيقة دمىً لك. اعطِ الناس خيارات تأتي في صالحك مهما كان الخيار الذي ينتقونه من بينها. أرغمهم على الاختيار بين الأهون من الشرين اللذين يخدمان غرضك على حد سواء. ضعهم فوق قرني أزمة، بحيث يتلقون نطحة أينما توجهوا.

إن السلطة الكامنة في إعطاء الناس خياراً، أو وهم خيار، تكمن في أنهم يلعبون بأوراق أنت وزّعتَها عليهم.

إن الناس الذين يختارون بين البدائل يجدون أن من الصعب الاعتقاد بأنهم عرضة للتلاعب، أو انهم ضحية خديعة. إنهم لا يستطيعون أن يروا أنك تسمح لهم بقدر ضئيل من حرية الإرادة، في مقابل كثير من القوة لفرض إرادتك عليهم. وإذن فإن إيجاد نطاق ضيق من الخيارات ينبغي أن يكون دائماً جزءاً من أحابيلك. وهناك قول مأثور: ” إذا استطعت ان تجعل الطير يدخل إلى القفص من تلقاء نفسه، فسيكون غناؤه فيه أجمل بكثير من المعتاد”.

 

القانون 32: داعب خيالات الناس.

كثيراً ما يتجنب الناس الحقيقة لأنها قبيحة وبغيضة. فلا تتوجه إلى الحقيقة والواقع ما لم تكن مستعداً للغضب الذي ينجم عن الصحوة من الوهم أو السحر. فالحياة قاسية وضاغطة بكربها إلى درجة أن الناس القادرين على صنع الأحلام أو استدعاء الخيالات والأوهام يشبهون الواحات في الصحراء. فالجميع يتقاطرون إليهم. إن هناك سلطة كبرى في فتح مسارات لخيالات الجماهير.

نادراً ما يعتقد الناس أن مشاكلهم تنبع من سيئاتهم وغبائهم بالذات. فاللوم يتحمله شخص ما أو شيء ما هناك في الخارج، الآخر، العالم، الآلهة – وهكذا يأتي الخلاص من الخارج كذلك.

للحصول على السلطة، يتعين عليك أن تكون مصدر مَسَرَّة لمن حولك، والمسرَّة تأتي من استغلال حالات الناس. فإياك أن تّعِدهم بتحسنٍ تدريجي عن طريق العمل الشاق، بل عِدهم بالقمر، وبالتحول المفاجئ والعظيم، وبوعاء الذهب.

 

القانون 33: اكتشف أداة الضغط على كل شخص.

في كل إنسان نقطة ضعف، فجوة في سور القلعة. ونقطة الضعف هذه قد تكون عدم الشعور بالأمن، أو عاطفة أو حاجة لا يمكن ضبطها أو السيطرة عليها، وقد تكون أيضاً مسرة صغيرة خفية. ومهما كانت فإنها عند العثور عليها تكون هي أداة الضغط التي يمكنك أن تديرها كما تدير أسنان البرغي لمصلحتك.

انتبه للإشارات والعلامات غير الواعية. فالمحادثة اليومية تقدّم أغنى منجم بنقاط الضعف. وهكذا درّب نفسك على الاستماع. وابدأ بأن تبدو مهتماً على الدوام – ذلك أن ظهور أذن متعاطفة يحث كل شخص على الكلام. ودرّب عينك على ملاحظة التفاصيل – كيف يدفع شخصٌ ما إكرامية للنادل، وما الذي يسرّ شخصاً ما، والرسائل الخفية المستقاة من الملابس. واكتشف الأشياء المعبودة عند الناس والتي يفعلون أي شيء للحصول عليها. فلعلك تستطيع أن تصبح مجهزَ ما يحبونه ويتخيلونه. تذكر: بما أننا جميعاً نحاول أن نخفي نقاط ضعفنا، فليس هناك ما يمكن تعلّمه من سلوكنا الواعي. إن ما ينزّ في الأشياء الصغيرة خارج سيطرتنا الواعية هي بالضبط ما تريد أنت معرفته.

 

القانون 34: كن مَلَكياً بطريقة تفكيرك، تصرّف كملك لتُعامَل كملك.

إن الطريقة التي تتصرف بها كثيراً ما تكون هي التي تقرر الطريقة التي تُعامَل بها: ففي المدى الطويل يؤدي الظهور بمظهر الشخص الفظ الخشن، أو العادي إلى إفقادك احترام الناس. إذ أن الملك يحترم نفسه، ويوحي للآخرين بالعاطفة نفسها. فتصرفك بأسلوب ملوكي وثقة بسلطاتك يجعلك تبدو مهيئاً للبس التاج.

إنه ضمن سلطتك أن تحدد ثمنك بنفسك. فالطريقة التي تتصرف بها تعكس ما تعتقده بنفسك. فإن طلبت ثمناً قليلاً، فحرِّك قدميك وطأطئ رأسك. وسيفترض الناس أن ذلك يعكس شخصيتك. ولكن هذا السلوك ليس أنت – بل هو فقط الطريقة التي اخترتَ أن تقدّم بها نفسك للناس الاخرين. ويمكنك بكل سهولة أن تقدِّم واجهة كولومبوسية: من الابتهاج، والثقة، والشعور بأنك مولود كي تلبس تاجاً.

وينبغي عدم الخلط بين التصرف الملكي وبين الغطرسة. فقد تبدو الغطرسة حقاً من حقوق الملك، ولكنها في الواقع تشير إلى انعدام الأمن. إنها النقيض الكامل للسلوك الملكي.

 

القانون 35: اتقن فن التوقيت.

إياك أن تبدو مستعجلاً، فالعجلة تفضح نقصاً في سيطرتك على نفسك، وعلى الزمن. إظهر صبوراً دائماً، كأنك تعرف أن كل شيء سيكون مرجعه إليك في آخر المطاف. وتَحرَّ اللحظة المناسبة. وتحسس روح العصر، والاتجاهات التي ستحملك إلى السلطة. تعلم أن تقف على حدة عندما لا يكون الوقت قد نضج بعد، وأن تضرب ضربتك بشدة عندما تصل الثمرة إلى النضوج.

 

القانون 36: احتقر الأشياء التي لا تستطيع امتلاكها، فتجاهلُها أفضل انتقام.

إذا اعترفت بمشكلة تافهة، فإنك تعطيها وجوداً ومصداقية. وكلما زاد اهتمامك بعدوٍ، فإنك تجعله أقوى، والغلطة الصغيرة كثيراً ما تصير أسوأ عندما تحاول إصلاحها. والشيء الأفضل أحياناً هو ترك الأمور وشأنها. فإن كان هناك شيء تريده ولا تستطيع امتلاكه، فأظهر احتقارك له. فكلما قلّ الاهتمام الذي تظهره، فإنك ستبدو أكثر تفوقاً.

إنك أنت الذي تدع الأشياء تزعجك باختيارك. فبإمكانك بسهولة مماثلة أن تختار أن لا تلاحظ المُضايق المزعج، وأن تعتبر الأمر تافهاً وغير جدير باهتمامك. فتلك هي الحركة القوية. فالشيء الذي لا تبدي إزاءه أي رد فعل لا يمكنه أن ينزل بك إلى اشتباك لا جدوى فيه. إذ أنه لا يمسّ كرامتك وعزة نفسك. فأفضل درس تستطيع تلقينه لبعوضة مزعجة أن تودعها في النسيان بتجاهلها. فإن كان تجاهلها مستحيلاً فتآمر سراً للتخلص منها، ولكن لا تلفت الأنظار عن غير قصد إلى الحشرة المزعجة التي ستبتعد أو تموت من تلقاء نفسها. فإذا ضيّعتَ وقتاً أو طاقة على مثل هذا الاشتباك، فهذا خطؤك بالذات. تعلَّم أن تلعب ورقة الاحتقار، وأدر ظهرك لما لا يمكن أن يؤذيك على المدى الطويل.

 

القانون 37: اخلق مشاهد آسرة.

إن الصور المدهشة الآخاذة والإشارات الرمزية الكبرى تخلق هالة من السلطة – فكل شخص يستجيب لها. فاعرض مشاهد آسرة على من حولك، مليئة بالتصورات الرائعة اللافتة للنظر والرموز المشعة التي ترفع مستوى حضورك. فعندما ينبهر الناس بالمظاهر، فلا أحد سيلاحظ إلى ما الذي تفعله في الحقيقة.

تذكر: إن بحثك عن السلطة يعتمد على الطرق المختصرة. وعليك دائماً أن تتغلّب على شكوك الناس بالمراوغة، وكذلك على رغبتهم في مقاومة إرادتك. والصُوَر طريق مختصر فعّال للغاية. فهي تتجاوز الرأس، الذي هو محطّ التشكك والمقاومة، وتستهدف القلب رأساً. فالصور تغلب على العين، فتخلق ترابطات قوية، وتجمع الناس معاً، فتحرك عواطفهم، فعندما يشعّ ضوء القمر الأبيض في أعين ضحاياك، فإنه يعميهم عن الأحابيل التي تمارسها.

 

القانون 38: فكّر كما تحب – ولكن تصرف كالآخرين.

إذا حولت معاكستك للعصر إلى استعراض، مزدهياً بأفكارك وأساليبك غير التقليدية أو المألوفة فسيعتقد الناس أنك لا تريد سوى إثارة الانتباه، وأنك تحتقرهم، وسيجدون طريقة لمعاقبتك على جعلك إياهم يشعرون بالنقص. فمن الأسلم بكثير أن تختلط بالناس وتحتضن اللمسة العادية المألوفة وتقاسم أصالتك مع الأصدقاء المتسامحين فقط، ومع الذين يقدرون كونك فذاً فريداً.

للحضارات معايير وقواعد سلوك تعكس قروناً من المعتقدات والمثل المشتركة. فلا تتوقع أن تسخر من مثل هذه الأشياء وتفلت من العقبات. بل إنك ستُعاقَب بطريقة ما. حتى ولو كان ذلك عن طريق العزل فحسب – وهذا موقعٌ خالٍ من السلطة في الحقيقة.

قم بتمويه أفكارك بينما لمّح إليها في الوقت نفسه. وتلك خدعة قديمة ولكنها قوية: تتظاهر بأنك لا تتفق مع الأفكار الخطرة، ولكن في سياق مخالفتك لتلك الأفكار تعطيها تعبيراً وعرضاً جلياً. وتبدو متفقاً مع الأفكار التقليدية السائدة، ولكن العارفين سيفهمون التهكم الذي تنطوي عليه هذه الطريقة من قول الشيء وقصد ضده. فتصبح أنت محمياً.

 

القانون 39: عكّر المياه لتصطاد السمك.

إن الغضب والانفعال العاطفي يعطيان نتائج عكسية من الناحية الاستراتيجية. فعليك أن تبقى هادئاً وموضوعياً على الدوام. ولكن إذا استطعت إغضاب أعدائك بينما تبقى أنت هادئاً، فإنك تكسب ميزة حاسمة. فخلخل توازن أعدائك. إعثر على شق في غرورهم تستطيع من خلاله أن تهزّهم بقعقعةٍ بينما تمسك أنت بالخيطان.

إن المشكلة في الرد الغاضب، أنه للوهلة الأولى قد يزرع الخوف والرعب، ولكن في نفوس البعض فقط، ومع مرور الأيام وانقشاع العاصفة، تبرز ردود أخرى – كالشعور بالحرج والقلق حول قابلية الصارخ للخروج عن طوره، والغضب مما قيل. فأنت عند فقدانك السيطرة على طبعك تكيل للناس اتهامات ظالمة ومبالغاً فيها. فإن تكررت مثل هذه الإنفجارات الصاخبة، فسيبدأ الناس بعدّ أيامك حتى تذهب.

إن إظهار شعورك بالإحباط، معناه إظهار فقدان سلطتك على تشكيل الأحداث، إنه عمل طفل لا حول له يلجأ إلى نوبة هستيرية ليحصل على ما يريد. والأقوياء ذوو السلطة لا يكشفون عن هذا النوع من الضعف على الإطلاق.

 

القانون 40: احتقر الغداء المجاني.

إن ما يُعرض مجاناً فيه خطورة. فهو في العادة إما أن ينطوي على خديعة، أو على إلتزام خفي. فما له قيمة جدير بأن يُدفع ثمنه. فبدفع الأثمان تظل متحرراً من العرفان، ومن الذنب، ومن الخديعة. وكثيراً ما يكون من الحكمة أن تدفع الثمن كاملاً – فليس هناك حسميات من الامتياز. كن سخياً بما لك وأبقه متداولاً. لأن السخاء علامة السلطة ومغناطيس لها.

بإعطاء الهدية المناسبة، فإنك تضع إلتزاماً على كاهل المتلقي. إذ أن الكرم يليّن مواقف الناس، كي يتم خداعهم.

إن قيمة المال ليست في حيازته، بل في استخدامه. افهم: ليس هناك تغير دائم في الحظ يأتي بسرعة، باستثناء شيء واحد، هو الموت. فالثروة المفاجئة نادراً ما تدوم، لأنها لا تقوم على أي شيء صلب. فإياك أن تدع شهوتك إلى المال تغريك بالخروج من قلعة سلطتك الحقيقية المستديمة والحامية لك. اجعل السلطة هدفك وعندئذ سيجد المال طريقه إليك. واترك ال دورادو للحمقى والمغفلين.

 

القانون 41: تجنب الحلول محل رجل عظيم.

إن ما يحدث أولاً يبدو دائماً أفضل وأكثر أصالة مما يأتي بعد ذلك. فإذا خلفتَ رجلاً عظيماً، أو كان ذلك والد مشهور، فإنه يتعين عليك أن تنجز ضعف ما أنجزاه لكي تتفوق عليهما في الإشراق. فلا تَضِع في ظلهما، أو تلتصق بماضٍ ليس من صنعك. فرسّخ اسمك وهويتك بتغيير المسار. فاذبح شخصية والدك الطاغية بالانتقاص من تراثه، واحصل على السلطة بالاشراق بطريقتك الخاصة بك.

الابن لن يخطو خارج ظل أبيه ما لم يتبع استراتيجية الإسكندر التي لا ترحم: استخف بالماضي، واخلق مملكتك الخاصة، وضع أباك في الظلال بدلاً من السماح له بعمل الشيء نفسه لك. فالضعفاء وحدهم، هم الذين ينامون على أكاليل غارهم، ويشغفون بانتصارات الماضي، وفي لعبة السلطة لا وقت للراحة أبداُ.

إياك أن تدع نفسك تُشَاهَد كمتبع طريق سلفك. فإن فعلت فإنك لن تتفوق عليه قط. فعليك أن تظهر اختلافك عنه بتجسيد مادي، بإقامة أسلوب ورمز يفصلانك وحدك. فهناك سلطة كبيرة يمكن كسبها من دخول الفراغات والأماكن الخاوية.

ومثلما تصعد أنت بالتمرد على الماضي، أبق عينيك على أولئك الصاعدين من الأسفل، ولا تمنحهم فرصة كي يفعلوا بك الشيء نفسه، فيشوهون سمعة كل شي أنجزته.

 

القانون 42: اضرب الراعي …. تتفرق الغنم.

كثيراً ما يمكن تتبع أصل المتاعب إلى فرد واحد قوي، هو المحرك، المرؤوس المتغطرس، أسير النية الحسنة. فإذا أتحت لمثل هؤلاء الناس مجالاً للعمل، فسوف يخضع لنفوذهم آخرون. فلا تنتظر حتى تتضاعف المتاعب التي يسببونها، ولا تحاول أن تتفاوض معهم – فهم عصيّون على الإصلاح. فحيّد نفوذهم بعزلهم، أو نفيهم. وجه ضربتك إلى مصدر المتاعب، وستتفرق الغنم.

تعرف على مسببي المتاعب عن طريق حضورهم الطاغي، أو عن طريق طبيعتهم الشاكية المتذمرة. فإذا حددتهم فلا تحاول أن تصلحهم، أو تهدئهم – فذلك يجعل الأمور أسوأ. ولا تهاجم بصورة مباشرة أو غير مباشرة، لأن طبيعتهم سامة، وسوف يعملون سراً تحت الأرض لتدميرك. ولكن أبعدهم قبل أن يفوت الأوان. افصلهم عن الجماعة قبل أن يصبحوا هم عين الدوامة. ولا تمنحهم وقتاً ليثيروا القلق ويبذروا بذور السخط، ولا تفسح لهم مجالاً للحركة، واترك شخصاً واحداً يعاني، كي يعيش الباقون في سلام.

 

القانون 43: حاول التأثير على قلوب الآخرين وعقولهم.

الإرغام يخلق ردة فعل تعمل ضدك في آخر الأمر. فعليك أن تغوي الآخرين حتى يريدوا أن يتحركوا في اتجاهك. فالشخص الذي تغويه يصبح بيدقاً موالياً لك، وطريقة إغواء الآخرين هي العمل على نفسياتهم، ونقاط ضعفهم الفردية. فقم بتليين المقاومين بالعمل على التأثير في عواطفهم، مستغلاً ما يعتبرونه عزيزاً عليهم، وما يخشونه. ذلك أنك إذا تجاهلت قلوب الآخرين وعقولهم فسوف يكرهونك.

في كل مواجهاتك تراجع خطوة إلى الوراء، وخذ وقتاً لإجراؤ حساباتك وأوجد تناغماً مع التركيب العاطفي لأهدافك ونقاط ضعفهم النفسية. فالقوة لن تؤدي إلا إلى تعزيز مقاومتهم. فالقلب هو المفتاح بالنسبة لمعظم الناس: فهم كالأطفال، تحكمهم عواطفهم. ولتليينهم، راوح لهم بين الخشونة والرحمة. واستغل مخاوفهم الأساسية، وكذلك عواطف حبهم – للحرية، لأُسَرهِم .. فعندما تكسر جموحهم، سيصبح لك في كل منهم صديق مدى الحياة، وحليف شديد الولاء. 

 

القانون 44: انزع السلاح وحرك الحِنق بتأثير المرآة.

تعكس المرآة الحقيقة، ولكنها أيضاً السلاح الأمثل للخداع: فعندما تقلد أعداءك كأنك مرآة لهم، تفعل ما يفعلونه بالضبط، فإنهم لا يستطيعوا أن يفهموا خطتك الاستراتيجية . ذلك أن تأثير المرآة يسخر منهم ويذلهم مما يجعلهم يفرطون في رد فعلهم. وبرفع المرآة أمام نفوسهم، فإنك تغويهم بكونك تشاطرهم قِيَمهم. وبرفع المرآة أمام أعمالهم، فإنك تلقنهم درساً. قليلون هم القادرون على مقاومة تأثير المرآة.

باستخدام تأثيرات المرآة فإننا نعيد خلق هذه القوة المقلقة بصورة رمزية عن طريق عكس أعمال الناس الآخرين، بتقليد حركاتهم لإزعاجهم وإثارة حنقهم. فعندما يشعرون بأنهم مقلَّدون ومستنسخون، ومعاملون على أنهم أشياء، وصورة بلا روح، فإنهم يغضبون. أو افعل الشيء نفسه بطريقة مختلفة قليلاً وقد يشعرون بأنهم منزوعو السلاح – لأنك تكون بذلك قد عكستَ رغباتهم وميولهم. فهذه هي القدرة النرجسية للمرايا. وفي كلتا الحالتين فإن تأثير المرايا يزعزع أهدافك، سواء بإغضابهم أم بسلب لبّهم. وفي تلك اللحظة تكون لديك القوة والسلطة التي تمكّنك من التلاعب بهم أو إغوائهم. ففي التأثير قوة كبيرة لأنه يعمل على أكثر العواطف بدائية.

 

القانون 45: بشّر بالحاجة إلى التغيير ولكن إيك أن تصلح أكثر من اللازم دفعة واحدة.

كل شخص يفهم الحاجة إلى التغيير بصورة مجردة ولكن على مستوى الحياة اليومية، فإن الناس أبناء العادة. فالتجديد المفرط يخلق رضوضاً، ويؤدي إلى ثورة. فإن كنت جديداً على أي منصب ذي سلطة، أو خارجياً تحاول بناء قاعدة قوة، فأبرز على نحو استعراضي احترامك للطريقة القديمة في عمل الأشياء. وإذا كان التغيير ضرورياً، فاجعل الناس يشعرون به كأنه تحسين لطيف للماضي.

فالذي يبادر بإدخال إصلاحات قوية كثيراً ما يصبح كبش فداء لأي نوع من السخط. وقد تستهلكه إصلاحاته في آخر الأمر. فالتغيير يضايق الحيوان الإنساني، حتى عندما يكون إلى الأفضل. ذلك أن العالم مليء، وكان دائماً مليئاً بالتهديد وعدم الأمان. فنحن نلتصق بالوجوه المألوفة، ونخلق عادات وطقوساً تجعل العالم مريحاً أكثر. وقد يكون التغيير ساراً، بل ومرغوباً بصورة مجردة أحياناً، ولكن الإفراط فيه يخلق قلقاً يجيش ويغلي تحت السطح ثم ينفجر في آخر الأمر.

بشّر بالتغيير بقدر ما تحب، بل ونفّذ إصلاحاتك عملياً، ولكن أعطها المظهر المريح لأحداث وتقاليد أقدم.

 

القانون 46: لا تظهر كاملاً أكثر مما ينبغي.

إن ظهور المرء أفضل من الآخرين خطر على الدوام. لكن الأخطر من كل شيء هو ظهور المرء بل عيب ولا ضعف. فالحسد يخلق أعداء صامتين. ومن الذكاء أن يكشف المرء عن نواقص فيه بين حين وآخر. وأن يعترف برذائل غير مؤذية، لإبعاد الحسد، ولكي يظهر المرء أكثر إنسانية وقابلية لأن يقترب منه الآخرون. فالآلهة والموتى فقط هم القادرون على الظهور بمظهر الكمال والإفلات به من العقاب.

إن من الواجب ممارسة لعبة المظاهر. والحقيقة أن حسد الجماهير الخفي والخبيث، يمكن إبعاده بسهولة: أظهر كواحد منهم في الأسلوب والقيم. وأَقِم تحالفات مع مَن هم دونك، وارفعهم إلى مراكز سلطة، لتضمن تأييدهم لك في أوقات الحاجة. وإياك أن تزدهي بعرض ثروتك. أما مدى النفوذ الذي اشترته لك ثروتك، فخبئه بعناية. وأظهر احترامك للآخرين بشكل بارز، وكأنهم أقوى منك.

فإياك أن تصل بك الحماقة إلى حد الاعتقاد بأنك تثير الإعجاب عندما تزدهي باستعراض الخصال التي ترفعك فوق الآخرين. ذلك أنك عندما تُشعِر الآخرين بتدني مكانتهم، فإنما تثير في نفوسهم “الإعجاب التعيس” أو الحسد، الذي يقضمهم، حتى يقوضوا مكانتك بطرق لا تستطيع التنبؤ بها. فالأحمق هو الذي يتحدى آلهة الحسد بالتفاخر باستعراض انتصاراته. أما صاحب السلطة الذكي فيفهم أن مظهر التفوق على الآخرين ليست له أهمية بالمقارنة مع حقيقة ذلك التفوق المخفاة.

 

القانون 47: لا تتجاوز العلامة التي استهدفتها وفي النصر، إعرف متى تتوقف.

كثيراً ما تكون لحظة الانتصار هي لحظة الخطر الأكبر. ففي قلب الانتصار قد تدفعك الغطرسة والثقة المفرطة إلى ما وراء الهدف الذي وضعته نصب عينيك. وبالذهاب إلى أبعد مما نبغي، فإنك تخلق أعداء أكثر من الذين تدحرهم. فلا تدع النجاح يدير رأسك. إذ لا بديل عن الاستراتيجية والتخطيط الحريص. ضع نصب عينيك هدفاً، وعندما تصل إليه، توقف.

إفهم: في مملكة السلطة، يجب أن تسترشد بالعقل. فإذا تركت النشوة المؤقتة أو النصر العاطفي يؤثران فيك أو يقودان حركاتك فسيكون في ذلك مقتلك. وعندما تحقق نجاحاً تراجع خطوة إلى الوراء. وكن حذراً. وعندما تكسب نصراً، إفهم الدور الذي لعبته فيه الظروف الخاصة بوضع ما. وإياك أن تكرر الأعمال نفسها مرة بعد أخرى.

 

القانون 48: اتخذ هيئة لا شكل لها.

عند اتخاذك شكلاً ما، وامتلاكك لخطة مرئية، فإنك تكشف نفسك للهجوم. فبدلاً من اتخاذ شكلاً يمسك به عدوك، ابقِ نفسك قابلاً للتكيف، ومتحركاً. وتقبل حقيقة عدم وجود شيء مؤكد، وعدم وجود قانون ثابت. فأفضل طريقة لحماية نفسك هي أن تكون سائلاً كالماء وبلا شكل كالماء. وإياك أن تراهن على الاستقرار أو النظام الباقي الدائم. فكل شيء يتغير.

فالناس الذي يثقل كاهلهم نظام وطرق غير مرنة لعمل الأشياء لا يستطيعون التحرك بسرعة، ولا يستطيعون الإحساس بالتغيير ولا التكيف له. فيتحركون بتثاقل وبطء هنا وهناك حتى يلحقوا بالبرونطوصور الذي انقرض. فتعلّم كيف تتحرك بسرعة وتتكيف، وإلا سوف تُؤكَل.

وأفضل طريقة لتجنب هذا المصير هي اتخاذ هيئة لا شكل لها. لأنه لا يوجد كائن مفترس قادر على مهاجمة ما لا يستطيع أن يراه.