مفهوم القَدَر في الميثولوجيا

 

لمى فياض

13 كانون الأول 2017، لبنان

يمنع نشر المقال الحاضر من دون التقيّد بشرط: ذكر اسم المؤلف ووضع رابط الـمدونة الإلكتروني(HTML Link) الذي يحيل الى مكان المصدر، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.

القَدَر

عرّفت ويكيبيديا “القَدَر” (Fate – Destiny) بأنه يشير إلى مسار محدّد مسبقاً من الأحداث. ويمكن أن يُنظر إليه على أنه المستقبل المُعدّ سلفاً، وهو مفهوم يقوم على الاعتقاد بأن هناك ترتيب ثابت للطبيعية في الكون. (حُبّ القَدَر Amor Fati)

القَدَر يمكن أن يُنظر إليه على أنه تسلسل محدّد من الأحداث التي لا مفرّ منها وغير قابلة للتغيير، أو أن الأفراد يمكنهم اختيار قدرهم من خلال اختيار مسارات مختلفة طوال حياتهم.

مفهوم القدر في الميثولوجيا

تأثر البشر منذ قِدَم الزمان بمفهوم القَدَر والقضاء في مختلف الحضارات، فخصّصوا لها آلهة يعبدونها ويتضرّعون لها. اختلف تسميات الآلهة بين هذه الحضارات ولكن يبقى المفهوم واحد ومتشابه.

 

norns

 

في الميثولوجيا النوردية الإسكندينافية

في الميثولوجيا النوردية الاسكندينافية يعتبر النورن (Norns) آلهة القدر وهم آلهة ولكن بدرجة أقل من الآسر والفانير. كان النورن يتحكّمون بقدر جميع البشر في مدكارد وحتى في قدر الآلهة. وكانوا يعيشون تحت جذور شجرة يكدراسيل (Yggdrasill). من أشهر النورن ثلاثة هم أورد (Urðr-Wyrd) وفيرواندي (Verðandi) وسكولد (Skuld)، يخرجون من قاعة تقف في بئر أورور أو بئر المصير (Well of Urðr)، يرفعون المياه من البئر ويأخذون الرمال التي تقع حوله، والتي يصبّونها فوق يجدراسيل بحيث لا تتعفّن فروعها. وُصِفَت هذه النورن الثلاثة بأنها عمالقة بكر قوية (جوتنز) (Jotuns) والتي وصولها من يوتونهيمر (Jötunheimr) أنهى العصر الذهبي للآلهة. وإلى جانب هذه النورن الشهيرة الثلاثة، هناك العديد من الآخرين الذين يظهرون لدى ولادة الشخص من أجل تحديد مستقبله. في المجتمعات النوردية ما قبل المسيحية، كان يُعتقد أن النورن كانوا يزورون الأطفال حديثي الولادة. كان هناك كل من النورن الخبيثة والخيّرة: تسبّبت السابقة بجميع الأحداث الخبيثة والمأساوية في العالم في حين أن الأخيرة كانت آلهة حامية وطيبة.

 

167281-004-E941658E

 

في الميثولوجيا الإغريقية

في الأساطير اليونانية، مويراي أو موراي (Moirai or Moerae) (اليونانية القديمة: Μοῖραι، “المقسّمون”)، وغالباً ما تُعرَف في اللغة الإنجليزية باسم الأقدار (Fates) (اللاتينية: فاتاي-Fatae)، وكانت التجسيد الأبيض للمصير والقدر. كان يعادلهم في الأساطير الرومانية بارساي (Parcae). وأصبح عددهم ثابتاً عند ثلاثة: كلوثو (Clotho) (الناسج) تنسج خيط الحياة من فلكة المغزل الخاص بها على مغزلها، كان معادلتها الرومانية نونا (Nona) (التاسع)، اتي كانت في الأصل إلهة يدعون لها في الشهر التاسع من الحمل. لاشيسيس (Lachesis) (الموزّع أو ساحب القرعة)، تقيس خيط الحياة المخصص لكل شخص مع قضيب قياس لها، كانت معادلتها الرومانية ديسيما (Decima) (العاشرة). والثالث أتروبوس (Atropos) قاطع خيط الحياة (حرفياً “غير قابل للتحوّل” ولكن مجازاً “غير مرن” أو”لا مفر منه”، أي الموت) تختار طريقة وفاة كل شخص، وعندما يحين وقتهم، تقطع خيط حياتهم مع “مقصات لها”. كان معادلتها الروماني مورتا (Morta).

كانت الأقدار الثلاث يسيطرن على الخيط الرئيسي من حياة كل فاني من الولادة وحتى الموت. وكانوا مستقلين، يوجهون المصير، ويشرفون على أن المصير المخصّص لكل كائن حسب القوانين الأبدية يأخذ مجراه دون عرقلة. يبدو أن مويرا ترتبط مع تيكمور (Tekmor) (إثبات، مرسوم) ومع أنانك (Ananke) (مصير، ضرورة)، الذين كانوا آلهة البدائية في الكون الأسطورية. الكتاب اليونانيون القدامى قد يدعون هذه القوة مويرا أو أنانك، وحتى الآلهة الأخرى لا يمكن أن تغير ما كان مرسوماً. وقد تمّ مقارنة مفهوم المبدأ العالمي للنظام الطبيعي مع مفاهيم مماثلة في الثقافات الأخرى مثل فيدرتا (VedicRta)، وأفستان آشا (أرتا) (Avestan Asha-Arta) ومات المصرية (Maat).

الإله شاي الفرعوني
الإله شاي الفرعوني

 

الإله شاي الفرعوني في يوم الحساب
الإله شاي الفرعوني في يوم الحساب

في الحضارة الفرعونية

في الحضارة الفرعونية كان شاي (Shay, Schai, Schay) هو إله المصير والقدر. اتخذ شكل آدمي وفي عصر متأخر اتخذ شكل ثعبان ارتبط دائماً مع الإلهة “ارنوتت” كإلهة للقدر ايضاً، لم تُعرَف له عبادة قبل الدولة الحديثة. خلال عهد المملكة الجديدة ظهر في كتاب الموتى، وهو يظهر في مسرح الحكم في قاعات مآتي (Ma’ati). كان إله ذات صلة بالولادة في العالم وبالولادة الجديدة في العالم السفلي. يأتي إسمه من الكلمة المصرية القديمة ل ‘تعيين’ أو ‘الأمر’. ظهر شاي لأول مرة في الأسرة الثامنة عشر واستمر من خلال التاريخ المصري حتى في عهد أخيناتن. وكان يُصوَّر على أنه أنثى بدلاً من ذكر. كان في كثير من الأحيان شريكاً مع ثلاثة آلهة محددة – مسخنيت (Meskhenet)، إلهة الولادة والمصير، و(Renenutet) ريننوتيت، الإلهة التي من شأنها أن تعطي الطفل اسمه الحقيقي، و(Shepset) شيبسيت، آلهة فرس النهر للولادة. كان الإله شاي (Shay) يُصوَّر على أنه رجل أفعى أو كوبرا برأس بشرية. وباعتباره إله مصير وثروة، يمكن أن يكون الإله شاي ذو تأثير إيجابي أو سلبي. يمكن أن يحمي الفرد، أو يمكن أن يجلب سوء الحظ على الفرد. يمكن أن يكون إلهاً متناقضاً، وكان المصريون القدامى يعتقدون أنه يتبع الشخص منذ لحظة الولادة وحتى الحكم في الآخرة. وجوده عند وزن القلب أثناء التحنيط يمكن أن يكون إما مساعدة أو إعاقة للمتوفي، أو حتى كطرف غير منحاز يخبر المحكمة بما حدث في حياة المتوفى. ولكن كما كان ميسخنيت ورينينوتيت هناك للمساعدة في ولادة جديدة للفرد في الحياة الآخرة، قد يكون لشاي أيضاً هدف وقائي مماثل، بدلاً من أن يكون مجرد شاهداً على المتوفى.

آلهة العرب الجاهلية: اللات والعزى ومناة
آلهة العرب الجاهلية: اللات والعزى ومناة

 

في ميثولوجيا العرب الجاهلية

في ميثولوجيا العرب القدماء الجاهليين كانت الإلهة “مناة” (Manāt) أقدم أصنام العرب هي إله القدر أو المصير تتحكم بمصير الفرد، ويقالُ لَهَا أيضاً: «مَنَاءَة» بالهمز، واسمها إمّا مشتقٌّ مِنَ الأصل الثلاثي (م ن ي) وإما من الأصل الثلاثي (ن و ء)؛ فإن كان من (م ن ي) فإن المنيَّة هي القَدَرُ، يقال: مَنى الله الشيء إذا قَدّرَه، ومنه منيّة الرجلِ وهي موته المقدّر له؛ وإن كانت من (ن و ء) فإن النَّوء عند العرب هو سقوط النّجْمِ في المغربِ مَعَ الفَجْرِ وطلوع آخر يقابله من ساعته في المشرق، وكانت العرب تقول: لا بدّ لكل كوكب من مطر أو ريح أو برد أو حرّ، فينسبون ذلك إلى النجم وأنه مِنْ فِعْلِهِ. وكانت الإلهة “مناة” صخرة لهذيل وخزاعة (قبيلتين من قبائل العرب قبل الإسلام)، كانت منصوبة ب “قديد” مِنْ ناحية “المشلّل” على ساحل البحر الأحمر بين مكة والمدينة، أقرب إلى المدينة منها إلى مكة؛ وهي عندهم مؤنثة، مثلُ اللّات والعزّى؛ وذلك أنهم كانوا يقولون عنهنّ: «إنهنّ بناتُ الله وهنّ يشفعن إليه»؛ وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول: «واللاّت والعزّى، ومناة الثالثة الأخرى، فإنّهنّ الغَرانيقُ العلَى، وإن شفاعتهنّ لتُرْتَجَى»، فلما بُعِثَ النبي محمد (ص) أنزل الله عليه قوله: (أَفَرَأيتم اللاّتَ والعُزّى •ومناةَ الثَّالثةَ الأُخرى• ألكمُ الذّكَرُ وَلَه الأُنثى• تلك إذاً قسمةٌ ضِيزَى• إنْ هيَ إلاّ أسماء سمّيتُموها أنتم وآباؤكم ما أنَزَل اللهُ بها مِنْ سُلطَان) (سورة النجم 19-23).

وكان الأوس والخزرج أهم من عظّموا هذه الإلهة “مناة”، حتى أنهم كانوا لا يتمّون حجّهم قبل الإسلام إلا بزيارتها وحلاقة رؤوسهم عندها. بقي هذا الصنم كالأصنام الأخرى معظّماً عند العرب حتى عام ثمانية للهجرة حتى بعث النبي محمد (ص) الإمام علي بن أبى طالب (ع) فهدمه، وأخذ ما كان له، وكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبى شمر الغساني أهداهما للإلهة “مناة”، وقد وهب النبي محمد (ص) السيفين إلى الإمام علي (ع).