فن الدفاع عن النفس اللفظي

لمى فياض

لبنان، نيسان 2017

يمنع نشر المقال الحاضر من دون التقيّد بشرط: ذكر اسم المؤلف ووضع رابط الـمدونة الإلكتروني (HTML Link) الذي يحيل الى مكان المصدر، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.

يُعرَف الدفاع عن النفس اللفظي أو اللغوي (Verbal Self-Defense)، المعروف أيضاً باسم الجودو اللغوي (Verbal Judo) أو الأيكيدو اللغوي (Verbal Aikido)، بأنه يستخدم كلمات المرء لمنع أو تهدئة أو إنهاء محاولة الاعتداء.

وفن الأيكيدو اللغوي هو وسيلة للتواصل تقوم على فلسفة الايكيدو، أنشئت ونشرت من قبل موريهي أويشيبا (Morihei Ueshiba) خلال القرن العشرين. وهو أسلوب لإدارة الصراع وحله ينطوي على معاملة “المهاجم” كشريك بدلاً من خصم. التقنيات التي يمارسها أيكيدويستس (Aikidoists) تهدف إلى استعادة ديناميكية الشخصية المتوازنة و/أو التوصل إلى نتيجة عاطفية إيجابية في حالة من التبادل. ويتم تبسيط النهج إلى ثلاث خطوات:

  1. تلقي الهجوم ب “ابتسامة داخلية” (ثقة داخلية هادئة).
  2. مرافقة المهاجم مع إريمي (Irimi) اللفظي حتى زعزعة الاستقرار.
  3. اقتراح أي كي (توازن الطاقة).

48c2912ddbc93030d2546313956d-is-questioning-someones-stance-on-an-issue-or-issues-a-verbal-attack

وبالتالي فإن الدفاع عن النفس اللفظي هو وسيلة لاستخدام الكلمات للحفاظ على السلامة النفسية والعاطفية. هذا النوع من “إدارة الصراع” ينطوي على استخدام الموقف ولغة الجسد، ونبرة الصوت، واختيار الكلمات، كوسيلة لتهدئة الوضع الذي قد يكون متقلباً قبل أن يتطور إلى العنف البدني. وغالباً ما ينطوي ذلك على تقنيات مثل أخذ مهلة، أو تحويل المحادثة إلى مواضيع أقل جدال، وأو إعادة توجيه المحادثة إلى أفراد آخرين في المجموعة ممن هم أقل ارتباطاً بالموضوع.

يعتبر الدفاع عن النفس اللفظي ضروري كوسيلة لحماية الحدود والمساحة الشخصية، ويفيد في التعامل مع مختلف أنواع التواصل المسيئة، وهذا يشمل أشكالاً غير مباشرة من الإساءة اللفظية مثل التعليقات الخفية، والطعن بالظهر أو السلوكيات ذات الوجهين. كذلك، فإن الدفاع عن النفس اللفظي يهدف إلى معالجة أشكال الإساءة الأكثر شيوعاً المعترف بها مثل الصراخ، والتخويف، والهجمات اللفظية، والسلوكيات المسيئة الأخرى كاتخاذ موقف عدواني (اتخاذ موقف تهديد أو تقديم بادرة تهدد)، والتدخل الجسدي في الممتلكات الشخصية، والتدخل غير الملائم في المساحة الشخصية للشخص. وتزداد الحاجة إلى تطوير فن الدفاع عن النفس اللفظي في جميع الأماكن وبالأخص في مكان العمل حيث وتيرة الصراع أشدّ، وفي المدارس (التنمّر المدرسي) (School Bullying)، وللتصدي للتنمر والاساءة اللفظي على شبكة الانترنت وبالأخص على مواقع التواصل الاجتماعي.

ومن المعروف أن مع المهاجمين لفظياً، المشكلة هي أننا عادة لا نفهم ما يحدث. فالفكرة المهيمنة حول هؤلاء الناس في ثقافتنا هي أن هدفهم من مهاجمتك لفظياً هو إيذاؤك، والتسبب بالألم، وإلحاق الأذى. يمكن لأي شخص أن يهاجم لفظياً مرة واحدة كل حين في حال كان متعباً، أو كان يعاني من يوم فظيع، ولكن مشكلة المهاجمين اللفظيين المزمنين الذين يبقون الجميع من حولهم في حالة من الاضطراب طوال الوقت، ويجعلون الناس يهربون منهم بمجرد رؤيتهم، مختلفة بالتأكيد، إذ يمكن أن تكون نفسية سادية وذلك لاستغلال من حولهم وإيذائهم والتلاعب بهم. إن نسبة صغيرة منهم يكونون جاهلين لا يعرفون أي طريقة أخرى للتواصل مع غيرهم من البشر، كل ما يحتاجونه هو التعليم. أما بالنسبة للبقية، فهم يائسون للحصول على الاهتمام وهم يعرفون أن رمي لغة معادية نحو الآخر سوف تحصل لهم على الاهتمام.

إنك تقوم بأخطاء استراتيجية حين تقوم بالرد على المهاجم اللفظي أو بالجدال معه لأنك تكافئ المهاجم من خلال توفير الاهتمام الكامل الخاص به على الفور، ولكن ما تحتاجه فعلاً هو الرد الذي لا يفعل ذلك، إذ تحتاج إلى ردّ يتيح للمهاجم معرفة أنك لن تكون ضحية سهلة. الهروب من مكان الحادث لن يفعل ذلك؛ فالهرب يجعل من الواضح للمهاجمين أنهم “حصلوا عليك” وبالتالي سيكونون حريصين على المحاولة مرة أخرى. تجاهل المهاجمين بالصمت لن يخدم أيضاً؛ فالصمت هو العقاب، وهو مجرد نوع آخر من الهجوم المضاد مثل الهروب وكأنك تقول: “لقد حصلت علي.” لذا يجب أن تعتمد نظام الدفاع عن النفس اللفظي الذي يضمن لك الردّ على اللغة العدائية بطريقة لا تجعلك تبدو كضحية، ولا تكافئ المهاجم، ولا تتطلب منك التضحية بمبادئك أو كرامتك، ولا تسبب بأي خسارة معنوية على أي من الجانبين.

16867897697_fb01e4c566_b

للدفاع عن النفس اللفظي ثلاثة أجزاء أساسية:

  • فهم ما يحدث حقاً، ومعرفة أنك تتعرض لهجوم: عندما يكون الهجوم جسدياً، لا يكن لديك أي مشكلة في اكتشاف ذلك؛ تشعر على الفور عندما يضربك شخص ما إذ يمكنك أن تشعر بالهجوم مباشرة، وفي كثير من الأحيان سوف يكون هناك دليل مادي في شكل كدمات. أما بالنسبة للهجمات اللفظية فهي مختلفة جداً، إذ لا يمكنك أن لا تشعر بها، ولكن يمكنك الشعور بالانزعاج في داخلك، ويكون من الصعب جداً معرفة على الفور الخطوة الفعلية التي أدلى بها المهاجم. إن العديد من ضحايا الهجوم اللفظي لا يدركون أنهم ضحايا. عادة، يشعرون بأسى ولكنهم لا يعرفون لماذا، ويميلون إلى إلقاء اللوم على أنفسهم وليس على أولئك الذين يسيئون لهم. وأحياناً لا يحدث الهجوم اللفظي مباشرةً بالكلمات التي تُقال ولكن بنبرة الصوت وطريقة الكلام عبر التهكّم والاستهزاء، ويكون مباشرة عبر استعمال الكلمات الجارحة، والنقد المستمر غير البنّاء، ومهاجمة سلوك وقيم ومعتقدات الشخص الآخر، والاستخفاف بذات وشخصية الآخر. ويكون الهجوم اللفظي أيضاً بتخييب الظن وإلقاء اللوم، أو بالمحادثة المشتتة عبر إخفاء معلومات أو إعطاء معلومات خاطئة، أو بالمعارضة اللاهادفة اللفظية وغير اللفظية، أو بممارسة لعبة الضحية كاللوم والتأفف والتذمر والأعذار والتبرير اللامقنع.

  • الاستماع بدلاً من القفز إلى الاستنتاجات، حتى تتعرف على نوع الهجوم الذي تواجهه: عندما تجد نفسك في المعركة البدنية، يمكنك تلقائياً تقييم حجم الخصم وقوته والدوافع والأهداف. عليك أن تفعل بالضبط الأمر نفسه مع الهجمات اللغوية، عبر طرح هذه الأسئلة: ما مدى قوة ومهارة الشخص الذي يهاجمني؟ لماذا يحدث الهجوم؟ والسبب وراء ذلك؟ ما هو الهدف من هذا الهجوم؟ ماذا يحاول المهاجم أن ينجز؟

عندما يكون الهجوم جسدياً، يمكنك الحكم بشكل جيد على قوة الشخص من خلال النظر فقط. لكن لا يمكنك الاعتماد على مثل هذه الأشياء مع الهجمات اللفظية، لأنها لا تتطلب القوة البدنية. لا تدع المظاهر تضللك. أما بالنسبة للدوافع والأهداف، فأحياناً تكون غامضة كما هي في الهجمات الجسدية. ولكن يمكنك أن تميز الفرق بين شخص اختار العراك لأنه يشعر بالملل، وبين شخص آخر تمّ الاستقواء عليه ويريد أن يصبّ غيظه على شخص ما، كما يمكنك أن تميز الفرق بين شخص يهاجم لغرض التباهي، وبين شخص آخر يهاجم لأنه متعب جداً وقَلِق حول شيء آخر تماماً حتى أنه لا يعرف حقا ما يفعله. كلما مارست مهارات الدفاع عن النفس اللفظي سوف تتعلم التعرف على الأنواع المختلفة من المهاجمين والهجمات.

في هذه المرحلة لا تكن دفاعياً، إسترخي واغتنم هذه الفرصة لكسب الثقة والحصول على المعلومات. إستمع واكتشف ما يعني ويريد الشخص حقاً. استمر في إعادة فحص معنى الكلمات، التفاصيل والقضايا. راقب لغة الجسد. ففي بعض الأحيان يمكن أن يقول الناس شيئا ما لكن هيئتهم وحركاتهم تشير إلى أمر مختلف.

  • معرفة كيفية الرد: ما يحاول المهاجمون اللفظيون عادة القيام به هو إثبات أنه يمكنهم الحصول على اهتمامك الكامل، هم لا يتوقفون إذ لديهم أهداف إضافية، ولكن الشيء الرئيسي الذي يريدون هو اهتمامك والشحنة العاطفية التي تأتي معها. إذا أوليتهم هذا الاهتمام بالردّ عليهم في شكل القتال، فإن المهاجم سيكون سعيداً. والمشكلة أنك إذا لم تشارك في لعبة الحرب اللفظية فإنك تدع المهاجم يهرب بجلده، بالإضافة إلى إحساسك بالذنب لعدم الدفاع عن نفسك. وعندما تلعب دور الضحية في المواجهات اللفظية، فإنك تقوم بتدريب مهاجمك ليصبح أكثر مهارة في استخدام الهجوم اللفظي.

إن ميلك الطبيعي عندما يبدأ شخص ما باستخدام لغة معادية لك هو الردّ عن طريق الهجوم المضاد أو المرافعة أو المناقشة، اعتماداً على الوضع، والإغراء للقيام بذلك قوي جداً. ومع ذلك، عندما تقوم به فإنك تعطي المهاجم بالضبط ما يريد، ويكون قد نجح الهجوم. أما مع الدفاع عن النفس اللفظي فسوف تتعلم مجموعة من استراتيجيات الدفاع عن النفس اللفظي والتكتيكات التي تمنع حدوث ذلك.

copyscape-seal-black-120x100

لقد أجمع كبار المؤلفين في مجال الدفاع عن النفس اللفظي والأساليب الدفاعية اللغوية على العديد من التقنيات المختلفة لإزالة فتيل الحروب اللفظية المحتملة والمسيئة.

التجنّب: أن تكون على بينة من الحالات التي من المرجح أن تؤدي إلى الصراع اللفظي أو سوء المعاملة وابذل جهد لتجنبها. إحفظ الطاقة الخاصة بك للحصول على شيء أفضل، وتجنب المواقف التي يمكنك أن ترى أنها سوف تتطور إلى العنف.

الإنسحاب (Withdrawal): بمجرد أن تشارك في جدال، وحالة من الصراع، أو عندما تتعرض للهجوم لفظياً، اخلق ذريعة واخرج من المنطقة. وتكون هذه الاستراتيجية نافعة عندما يكون المكان والزمان غير مناسبين للردّ. فمثلاً إذا قام زميلك بمهاجتك بعدوانية وسلبية حول تقريرك، تبتسم، تترك الغرفة وتنسى فوراً.

الإنحراف: تغيير الموضوع أو التركيز على التفاعل كوسيلة لتجنب أي خلاف أو رد فعل سلبي من جانب المعتدي. بالإضافة إلى استخدام درع عقلي لتحويل التعليقات والمواضيع التي تعلم أنها سوف تؤدي إلى الخلاف.

التسوية (Parley): تقديم الأفكار علناً والبحث عن سبل لفهم المهاجم وأو أسبابهم لسوء المعاملة، في محاولة للوصول لحلّ عادل لكلا الطرفين.

الإجابة المملة: عندما يسألك المهاجم أسئلة شخصية، اتبع أسلوب الإجابة المملة بطريق سردية مطولة مملة لقصة ما من الذاكرة، عندها لن يكرر المهاجم فعلته.

أطفئ النار: لا تعطي مهاجمك أي معلومة شخصية عنك يتصدى لها، بل تكلّم بالعموميات فقط.

عدم الردّ: في هذه الحالة لا تردّ على مهاجمك بأي شيء ولا تفعل شيئاً. وهذه الاستراتيجية نافعة عندما يكون الهجوم لا معنى له، ولكن عدم الردّ يعطيك الوقت الكافي لصياغة جواب وتحليل ما يمكن فعلاً وراء هذا الهجوم.

الردّ على الصراع (Fighting back): تستخدم هذه الاستراتيجية كآخر ملاذ، وهي تنتهي عادةً بالتسبب بالأذى لكل الأطراف المعنية. نستخدم سياسة الردّ على الصراع عندما تفشل الخيارات الأخرى السابقة، ولا نملك خياراً آخر.

استخدام الآيكيدو اللغوي: وهناك بعض المبادئ الأساسية من أجل ممارسة فن الأيكيدو اللغوي، وهي:

  • لا تهدف إلى إيذاء معارضك أو مهاجمك.
  • بدلاً من محاولة إسكات الشخص المهاجِم، عليك الاستماع إليه واستيعابه، وتوجيه طاقاته إلى أصل المشكلة.
  • تعترف وتحترم الهجوم دون الرد عليه أو تقبل هذا الهجوم.
  • استعلم لفهم الحالة، حتى إذا كنت لا توافق عليه.
  • تجنب محاولة فرض وجهات النظر الخاصة بك، ولكن بدلاً من ذلك إظهار استعدادك للاستماع.
  • لا تعزز مقاومته.

فمثلاً إذا هاجمك أحدٌ بالقول: “إنك شحص خَمِل، ولا تفعل أي شيء أبداً، أنك لم تغسل الصحون وليس لدينا أي صحون نظيفة”. فعبر تطبيق فن الأيكيدو اللغوي سيكون جوابك كالتالي: “نعم إنه من المزعج العودة إلى المنزل والمغسلة مليئة بالصحون القذرة، أستطيع أن أتفهم لما أنت منزعج”. هذه الاجابة هي الأكثر نفعاً وفاعلية، إذ تخلق حالة من الربح لجميع الأطراف (Win-win situation)، وتحوّل حالة الصراع إلى انسجام.

من خلال الأساليب والتمارين التي تدرس في تدريب الأيكيدو اللغوي، يعمل الممارس على تطوير الشعور بالسيطرة على النفس، وطريقة حاسمة من التواصل، وممارسة النية المتعمد. فالخلافات في بعض الأحيان لامفرّ منها. وفي بعض الأحيان، يجب أن تدافع عن حدودك بقوة وتحتاج إلى إظهار أن قيمك تعني فعلاً شيئاً. ولكن تأخذ وسيلة أيكيد وعبر السعي للعثور على التعاون في مهاجمك، وذلك بتأكيد نفسك بهدوء وثقة، ولكن إبقاء العين على الهدف الرئيسي الخاص بك: إعادة تأسيس الانسجام. فمثلاً قد يبدأ زميلك بالتهكم على الإنتاجية الخاصة بك. ولكنك تأخذ نفساً عميقاً وتقول بهدوء، “يبدو أن لديك مشكلة مع عملي. أجد تعليقاتك غير مناسبة، ولكن دعنا ندردش عن ذلك غداً في اجتماعنا، وليس الآن. لدي بعض الأعمال.”

بعض الكتب التي تتناول فن الأيكيدو اللغوي وفن الدفاع عن النفس اللفظي:

الأيكيدو اللغوي: حلول لغوية للدفاع عن النفس في العمل والحياة اليومية. محمد مصطفى عبد القادر شلبي، شركة العبيكان للنشر، 25 مارس 2016.

Elgin, Suzette Haden (1985). The Gentle Art of Verbal Self-Defense. Dorset House Publishing Co Inc.

Glass, Lillian (1999). The Complete Idiot’s Guide to Verbal Self Defense. Alpha.

Scott, Daniel (2009). Verbal Self Defense for The Workplace. Book Shaker.

Thompson, George (2004). Verbal Judo, Harper Paperbacks.

Sauvé, Gaetan (2013). “Auto defense psychoverbale, pour s’exprimer sans maux” Louise Courteau

 

 

 

الإعلانات