الزمن بين الكرونوس والكايروس

 

لمى فياض

لبنان، شباط 2017

 

يمنع نشر المقال الحاضر من دون التقيّد بشرط: ذكر اسم المؤلف ووضع رابط الـمدونة الإلكتروني (HTML Link) الذي يحيل الى مكان المصدر، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.

copyscape-seal-black-120x100

لمصطلحي الكرونوس والكايروس أبعادهما في علوم اللاهوت (Theology) في الديانة المسيحية، لكن هذا المقال يتناول مفهومي الزمن ما بين الكرونوس والكايروس في مجالي إدارة الوقت وتطوير الذات.

يمكن قراءة المقال التالي (الزمن بين الكورونوس (χρόνος) والكايروس (καιρός)) بقلم “عادل ذكري” للإطلاع على مقارنة ما بين الكرونوس والكايروس في الديانة المسيحية.

chronos_oeuvre_grand

كرونوس في الميثولوجيا الإغريقية

كرونوس Cronos في الميثولوجيا الإغريقية هو إله الزمن، وإبن غايا (الأرض) الأصغر من أورانوس (السماء). هو قائد التيتانيين وأب زيوس. وكرونوس (الزمن) هو حاكم الكون في العصر الذهبي. يُعرَف كرونوس في الأساطير الرومانية باسم ساتيرن إله البذور والبذار. يُمثل كرونوس في الفن ككهل له لحية طويلة رمادية ويحمل منجلاً وساعة رملية زجاجية.

التيتانات (العمالقة) هم الأبناء الإثني عشر للإلهين أورانوس وغايا (السماء والأرض). وكان بعض أولئك الأبناء يسمون الآلهة الكبار. وقد ظلوا حكاماً للكون على مدى حقب طويلة، وتميزوا بأحجام غاية في الضخامة وقوى جبارة. وكان كرونوس (الزمن) اكثر التيتانات (العمالقة) أهمية، وقد حكم الكون إلى أن أطاح به بدوره ابنه زيوس من العرش واستولى على السلطة.

father_time

كايروس في الميثولوجيا الإغريقية

في الميثولوجيا الإغريقية، كايروس (Kairos) أو (Caerus) هو تجسيد للفرصة والحظ واللحظات المؤاتية. في الأساطير الرومانية يُعرف ﺑ (Tempus) أو (Occasio)، وهو الإبن الأصغر ل زيوس (Zeus). يجلب كايروس كل ما هو ملائم ومناسب في الحظة المناسبة. في بعض الأحيان، قد تكون اللحظة حرجة وخطرة، ولكن في الأغلب يمثل كايروس المناسبة المؤاتية والمفيدة.

يُمثَّل كايروس بإله شاب وجميل، كون الفرصة لا تشيخ أبداً والجمال هو دائماً ملائم ومزهر في فصله الخاص. يُصوّر كايروس كأنه يقف على أطراف أصابع قدميه لأنه يركض دائماً، ويملك جناحين كبيرين ليطير مع الريح، ويحمل في يديه ميزاناً ليصوّر بأن اللحظة الخاطفة في المناسبات تظهر وتختفي. كما يملك خصلة من الشعر تنزل على جبينه وحاجبيه عندما يصل، ولكن ما إن يمرّ، لا أحد يستطيع الإمساك به، فتصبح خلفية رأسه صلعاء، للإشارة إلى أن لحظة الفعل ذهبت مع شعره، والمناسبة المهمَلة لا يمكن تعويضها أو استرجاعها.

فكايروس هو إله اللحظة الخاطفة، فرصة مؤاتية في قدر الإنسان. لحظة كهذه يجب الإمساك بها (كخصلة الشعر على مقدمة رأس الفرصة العابرة)، وإلا ستعبر هذه اللحظة ولا يمكن استرجاعها (ممثلة بخلفية رأس كايروس التي تصبح صلعاء).

caerus_543

كايروس وكرونوس

الوقت الزمني كرونوس هو زمن له أبعاده ويمكن قياسه، ويُقاس بالساعات والروزنامات والأحداث وهو نفسه للجميع. هو يعبر عن مرور الدقائق والساعات والأيام وعن حركة عقارب الساعة، أو تغير الأرقام على اللوحة الإلكترونية. و نكون واعين لمرور هذا الوقت في أغلب الأحوال. أما الكايروس فهو شخصي بشكل فريد فيما يخصّ العلاقات وتجارب الماضي والذكريات وإسقاطات المستقبل، إذ يعبر عن حدث مميز (داخل إطار الكورونوس) أو خبرة مغيّرة للحياة. وعادةً ما يمثّل الكايروس “اللحظة الموآتية” أو “الوقت المثالي” أو “اللحظة الأسمى”، ويوفّر الفرصة لحلّ ومعالجة بعص الأمور الشخصية، ندركها عندما نتوقف عن الوعي بالكورونوس، الوعي بعقارب الساعة، عندما نستغرق في لحظة خاصة خارج نطاق الزمن (الكورونوس).

فيما يكون الكرونوس كمّي (quantitative) كونه لحظة مادية يُقاس بالثواني وهو خطّي ينطلق من ماضي محدّد باتجاه مستقبل محدّد، فإن الكايروس كيفي ويعبر عن لحظة لامادية ميتافيزيقية ويُقاس باللحظات. فمثلاً عيد ميلاد أوتاريخ هام أو ذكرى زواج هي كورونوس، أما ما يبقى وما نتذكره من هذه المناسبات فهو الكايروس.

يحدث الكرونوس دائمًا كشيء مُسلَّم به. يمر بنا دون أن نتغير، يضعنا تحت إلحاح اللحظة وضرورة الإنجاز السريع نظرًا لأنه زمن قصير ويجري، وبالتالي فإننا نستطيع تخطيط الكورونوس. أما الكايروس فلا يحدث دائمًا، ولا يمكن النظر إليه كشيء مُسلّم به؛ لأنه يُحدث تأثيراً وتغييراً. عندما ندرك الكايروس، لا يتركنا كما كنا من قبل، ولا يضعنا تحت إلحاح، وإنما يتيح لنا معرفة أن الزمن محملٌ بإعلان ما لفرصة مؤاتية ومثالية لتغيير قدرنا. بالتالي فإن الكايروس لا يمكن تخطيطه وكذلك لا يمكن اصطناعه أو التحكم به أو امتلاكه، فهو وليد الصُدفة.

في علم النفس الوجودي (existential psychology)، كايروس هو لحظة القرار المهمة، نقطة تحوّل شخصية حيث تتوضّح فيها المبادئ أو تتحوّل، وحيث قد يحدث فيها تطوّر للشخصية، كما يحدث مثلاً في حلّ مسألة لأزمة وجودية، أو لحظة تبصّر أو إدراك شخصي في العلاج الوجودي. (بلوغ الميتانويا ورحلة تحوّل الذات)

الكايروس هو وقت الملاءمة التكتيكية، لتبديل الأولويات ومراكز الانتباه من لحظة نوعية معينة إلى لحظة نوعية أخرى. هو الوقت الملائم لمهاجمة العدو في المعركة، أو للتفاوض على هدنة. الكايروس هو نقطة مختلفة نوعياً في الزمن عن زمن الكرونوس الذي كان قبلها. (الدهاء الميتيسي وحيل الذكاء – مقتطفات)

kairos

من خلال معرفة الفرق بين الكرونوس والكايروس، نستنتج بأنه يمكننا إقامة التوازن بينهما. بمعانقة الكايروس أكثر، نتخطى حاجز الزمن ونبدأ برؤية وقتنا وحياتنا بالكامل بطريقة لاخطية، لنفتح المجال لأنفسنا أمام فرص غنية بالإلهام. من خلال هذا التغيير البسيط في منظورنا، يصبح بإمكاننا الشعور بالأوقات المحمَّلة بالمعنى والعمق، وإدراك اللحظة الفارقة المغيّرة المحمَّلة بالخبرة. (بلوغ الميتانويا ورحلة تحوّل الذات) لذا يجب علينا أن نتخلى عن انشغالنا واستغراقنا بالكورونوس وألا نضع أنفسنا تحت إلحاح الكورونوس، وذلك في سبيل الحصول على لحظات كايروس مفعمة بالمعنى.