بلوغ الميتانويا ورحلة تحوّل الذات

لمى فياض

صيدا، لبنان، شباط 2017

يمنع نشر المقال الحاضر من دون التقيّد بشرط: ذكر اسم المؤلف ووضع رابط الـمدونة الإلكتروني (HTML Link) الذي يحيل الى مكان المصدر، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.

تعريف الميتانويا

الميتانويا أو الميطانية (أو مطانية، ميطانيا، مطانيا) (metanoia) كلمة يونانية ومعناها الحرفي هو تغير الفكر الباطني أو تجديد الذهن. فكلمة “ميتا” μετά معناها ما وراء، وكلمة “نوس” νους يعني عقل لذلك كلمة ميطانيا معناها “تغير الفِكْر”، أو “تغير العقل الباطن” أو “الفكر العميق في الإنسان”.

تكلّم باولو كويلو (Paulo Coelho) عن الميتانويا في روايته الجاسوسة (The Spy) على لسان بطلته ماتا هاري، فذكر بأن لدى الإغريق كلمة محمّلة بالمعاني المتناقضة: ميتانويا. أحيانًا، هي تعني التوبة، والندم، والاعتراف بالخطايا، والوعد بعدم تكرار ما أخطأنا بفعله. ومن معانيها الأخرى: تخطّي معارفنا، والوقوف وجهًا لوجه أمام المجهول، من دون استعادة أو ذكرى، من دون أن نفهم كيف سيكون اتّخاذ الخطوة التالية.

 

الميتانويا في الديانة المسيحية

في الديانة المسيحية، تعني الميتانويا التوبة أو تغيير النية ومراجعة الضمير، والشعور بالندم على الخطيئة والشعور بالذنب والتحسس للألم والرهبة أمام الجروح التي يسببها الإنسان لنفسه ولأقربائه. فميتانويا تعني التوبة والانسحاق مع الثورة على الذات بروح الارتداد عن الشرّ والعودة إلى الله، بحيث يدرك الخاطئ انه على خطأ، فيتخذ القرار بالخروج من حالته السيئة، وينفّذ قراره، عبر مسيرة عودة الى الله من خلال فحض الضمير، وهو الدخول الى اعماق الذات، والوقوف امام حضرة الله. الميتانويا مذكورة في (رومية 2:12) “وَلاَ تُشَاكِلُوا هذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ: الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ.

واتخذت الميتانويا أو المطانية شكل السجود الكامل إلى الأرض حتى تلامس الجبهة التراب.  كتعبير عن التذلل والانسحاق والخضوع التام والتعبير عن الندم والرغبة في نوال البركة والصفح. وتمارَس الميطانية أيضاً للاستعطاف، وإطفاء لهيب الغضب، وامتصاص شحنة الكبرياء، وتهدئة المشاعر المضطربة، على أن تقدم الميطانية بصدق وعن قلب منسحق. وفي التدبير الرهباني، شاعت الميطانية -إلى جانب ما سبق- لتعبر عن أدب رهباني سليم..  كنوع من التوسل لتتميم أمر ما، أو في المقابلات كنوع من الوقار والخشوع والمحبة.

الميتانويا في علم النفس

استُخدِمَ مصطلح ميتانويا (metanoia) لأول مرة في علم النفس من قبل المفكر الأميركي ويليام جايمس، عالِم نفس وفيلسوف (1842-1910)، لوصف عملية تغير جوهري وثابت في شخصية الإنسان وتوجهه الحياتي. ثم طوّر كارل غوستاف يونغ مؤسس مدرسة علم النفس التحليلي، استخدام هذا المصطلح للإشارة إلى محاولة عفوية للنفس لشفاء ذاتها من صراع لا يُحتَمَل عبر الذوبان ومن ثم الولادة من جديد في صورة أكثر قابلية للتأقلم. هو شكل من الشفاء الذاتي، مرتبط عادةً بأزمة منتصف العمر وبالانهيار النفسي، الذي يمكن رؤيته كاحتمال لعملية مثمرة. إعتبر يونغ أن الأحداث النفسية بالأخص يمكن فهمها على أنها أزمة وجودية يمكن أن تكون كمحاولة لإصلاح الذات: في مثل هذه اللحظات، يمكن أن تمثل الميتانويا تحوّل في توازن الشخصية، بعيداً عن الشخصية المظهرية باتجاه الظل والذات.

أثّر مفهوم يونغ عن الميتانويا على رونالد دايفيد لاينغ (R.D. Laing)، طبيب نفساني اسكتلندي (1927-1989)، وعلى تأكيده على ذوبان وتبديل الأنا الواعية اليومية. أما دايفد كوبر وهو طبيب نفساني وباحث نظري (1931-1986)، زميل للاينغ، فقد اعتبر بأن الميتانويا تعني تغيّر من أعماق الذات إلى أعلى باتجاه سطح المظهر الاجتماعي للإنسان، وهي عملية من ثلاثة مراحل. في المرحلة الثانية منها، تتولد إشارات الكآبة والحداد.

في التحليل التعاملي (Transactional Analysis)، وهي نظرية خاصة في التحليل النفسي وطريقة في العلاج حيث يتم تحليل العمليات الاجتماعية من أجل تحديد حالة الأنا للمريض كأساس لفهم السلوك، تُستخدَم الميتانويا لوصف تجربة هجر سيناريو قديم للذات أو ذات زائفة لذات أكثر انفتاحاً: وهي عملية يمكن أن تتصف بالمزيج من الشدّة واليأس والاستسلام والتواجه مع الفراغ الداخلي.

الظل

الظل أو هيئة الظل (the shadow) هو تعبير نفسي يونغي (نسبةً إلى يونغ) قد يعود إلى هيئة اللاوعي للشخصية والتي لا يمكن للأنا الواعية أن تحدده في ذاتها. على العكس من التعريف الفرويدي للظل، يتضمن الظل اليونغي كل شي خرج دائرة ضوء الوعي، ويمكن أن يكون إيجابي وسلبي، وهو الجانب المظلم غير المعروف للشخصية، كما يمكن أن يكون موضع الإبداع. بالتالي، الظل هو الشيماء الذي لا يريد الفرد أن يكون عليه، ويكون الظل من نفس جنس الفرد ومن الممكن أن يظهر على هيئة الأحلام والأوهام أو أن يتم اسقاطه، ويقول يونغ: “يشخّص الظل كل ما ترفض الذات الاعتراف بأنه فيها. ومع ذلك يقحم نفسه عليها مباشرة او مداورةً. كأن يكون فيه صفات دنيا أو ميول اخرى لا تتوافق مع الذات”.

alas_de_libertad

بلوغ الميتانويا (Achieving Metanoia)

الميتانويا هي عملية لا حدود لها وغير متوقعة، تدعونا إلى معانقة واقع جديد أكبر بكثير مما نحن عليه، وإلى تجاوز حدودنا المفهومة إلى خارج منطقة الراحة إلى مجال غير متوقع لكي نصبح جزءاً من شيء أعظم ذو معنى وهدف أعمق.

جميعنا اختبرنا أو نختبر الميتانويا في لحظة أو في أخرى، نعيش تجارب تغير مسار حياتنا وتغّيرنا في القلب والروح والصميم، لنصبح شخص آخر مختلف تماماً عما كنا عليه سابقاً، فنخرج من مدار ذاتنا المصغرة إلى رحلة في زخم الحياة.

الميتانويا تعني تغيير وجهة التركيز والمواقف والمبادئ. فنقوم بالتحول من التركيز على ما هو خارجي إلى التركيز على ما هو داخلي أي ما يحدث داخلنا.

يرى يونغ أن أفضل وسيلة لبلوغ الميتانويا هو عبر العمل على الأحلام. فممارسة عمل منتظم ومثابر على الأحلام يمدّنا بالتجربة الشخصية الضرورية لإرشاد واهتمام وتوجية ومحبة ذاتنا، ويسمح لنا باكتشاف حياتنا الداخلية. هذا هو منبع الاستقرار والأمان الحقيقيان، كنز لا يستطيع أحد سرقته.

عبر تركيز نقطة الأمان في داخلنا، نصبح نفسياً أحرار من التبعية إلى ما هو خارجي. فالأجوبة التي نحتاجها لأسئلتنا لا يمكن إيجادها خارج أنفسنا في المجتمع وفي الأشخاص الآخرين. إنما تكمن هذه الأسئلة في داخلنا. وكما يقول يونغ: “تصبح رؤيتك واضحة عندما تستطيع النظر إلى داخل قلبك. من ينظر خارجاً يحلم، ومن ينظر في الداخل يتنوّر”.

التحديات الأساسية لعصرنا تتطلب منّا أن نستيقظ وأن نعي اللاوعي وأن نقيس أعماق قلوبنا وأن نملك الوعي الكامل لكينونتنا. إذ يجب أن نعود إلى حكمتنا الداخلية وليس إلى خبرائنا الخارجيين.

الإعلانات