نظرية الفوضى – الجزء الثالث

الفوضى في الفنيكس الماسوني Ordo Ab Chao

لمى فياض

كانون الثاني 2017، لبنان

 

يمنع نشر المقال الحاضر من دون التقيّد بشرط: ذكر اسم المؤلف ووضع رابط الـمدونة الإلكتروني (HTML Link) الذي يحيل الى مكان المصدر، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.

في الجزء الأول، نظرية الفوضى في الميثولوجيا والعلوم، قمتُ بتعريف مفهوم الفوضى بشكل عام وبالأخص نظرية الفوضى في الميثولوجيا والعلوم. أما في الجزء الثاني، الفوضى في علوم ما وراء الطبيعة – الديانة الفوضوية، فقد بيّنتُ تأثير الفوضى ليصل إلى الايمان والمعتقد للإنسان مما ينتج عنه الديانة الفوضوية.

أما في هذا الجزء، فسأتطرق إلى مفهوم الفوضى الخلاقة في الماسونية ومدى ارتباط هذا المصطلح بالماسونية كونه شعار أساسي لها “ordo ab chao” أو بالانكليزية “order out of chaos” أي النظام من قلب الفوضى وذلك من خلال تجسيده في رمز طائر الفنيكس ذو الرأسين.

ازدواجية النظام والفوضى

الفوضى هو علم الأشياء اليومية، حيث يتواجد الفوضى والنظام معاً بنفس الطريقة التي يتواجد فيها الذرات والموجات معاً في الضوء. حتى أبسط الأنظمة في الطبيعة هي معقدة وغير قابلة للتوقع إلى حدّ التطرف، وذلك إلى المدى الذي ينشأ فيه النظام والفوضى عفوياً بدون أي سبب واضح ومحدّد. مثل هذه العلاقات بين السبب والنتيجة، تعود بشكل عام إلى “تأثير الفراشة” (The Butterfly Effect) وهو تعبير استُخدِم لأول مرة عام 1979 من قبل عالِم الرياضيات وعالِم الأرصاد الجوية ادوارد لورنز في بحثه بعنوان “التنبؤ: هل تسبّب رفرفة أجنحة فراشة في البرازيل إعصاراً في المكسيك؟”

الفوضى (CHAO) هو المجتمع الذي نراه حولنا اليوم، والبناؤون هم من يؤثرون على القادة لتصنيع هذه الفوضى حتى يتمكنوا من إخفاء خَلقِهم في الظلام فيما يعملوا باتجاه النور (ORDO). من دون الفوضى لا يوجد أبداً نظام. بدون الظلام، لا يوجد نور، وبدون النور لا يوجد ظلام. وما يوجد في الأعلى يوجد مثله في الأسفل وهذا سر الأخوية.

المهندسون الأعظم للفوضى (الجحيم أو الوهم) يصبحون أسياد النظام (الجنة على الأرض). حاملو الشعلة الذين يحملون الضوء في الظلمة، سيصبحون الآن حاملي الضوء الذين يبشرون باقتراب فجر جديد ليوم جديد.

فليكُن النور (FIAT LUX). ما كان يوماً ظلاماً، الآن يصبح نوراً وما كان يوماً نوراً، الآن يصبح ظلاماً.

الفوضى الخلاقة في الماسونية

الفوضى الخلاقة هو مصطلح لدى الماسونية مشتق من اللغة اللاتينية  ORDO AB CHAO، يقصد به تكوين حالة اجتماعية واقتصادية مرغوبة ومريحة بعد إحداث فوضى مقصودة. وبالتالي يشير إلى النظام الناتج عن الفوضى، وهو مصطلح له دلالاته الماسونية في هدم العالم وخلقه من جديد على الطريقة الماسونية.

الفوضى الخلاقة مفهوم مبني على نظرية الانفجار الكوني وأن الكون كله خلق من الفوضى وأن الفوضى هي التي خلقت الكون بدون إله واحد قادر على ذلك، وبالتالي فالفوضى التي يمكن صناعتها الآن في العالم ستخلق في النهاية نظاماً عالمياً موحداً.

phoenix

أسطورة طائر الفنيكس

طائر الفنيكس أو طائر العنقاء عند العرب (phoenix)، هو طائر أسطوري خرافي طويل العنق ذو ريش بنفسجي برّاق، أما ريش ذيله فيختلط بها اللونين الأزرق والأحمر. رأسه زاهي اللون وحول عنقه طوق من الريش الذهبي، وعلى رأسه عرفٌ بريش لامع. تقول الأساطير القديمة أن طائر الفنيكس يعيش ل 500 سنة، وعندما تقترب ساعة موته يعمد إلى إقامة عشّه من أغصان أشجار التوابل ومن ثم يضرم في العش النار التي يحترق هو في لهيبها. وبعد مرور ثلاثة أيام على عملية الانتحار تلك ينهض من بين الرماد طائر فنيكس جديد.

أما الأساطير الفرعونية القديمة فتربط طائر الفنيكس بالتوق إلى الخلود وهي الفكرة المهيمنة في الحضارة المصرية القديمة كون حضارتهم مرتبطة بفكرة الأبدية. فالأسطورة الفرعونية تقول بأن طائر النار شبيه بالنسر الرائع المظهر يكسوه ريشاً ذهبياً محمراً يجعله يبدو مغطى بهالة من اللهب. فقد صُوِّر في بعض الصور مغطى بلهب بدلاً من الريش. وهو يعيش سعيداً إلى أن يحين وقت التغيير والتجديد، حينها وبدون تردد يتجه مباشرة إلى معبد إله الشمس (رع) في مدينة هليوبوليس، وفي هيكل رَعْ، ينتصب الفينكس أو العنقاء رافعاً جناحيه إلى أعلى، ثم يصفِّق بهما تصفيقًا حادًّا. وما هي إلاَّ لمحة حتى يلتهب الجناحان فيبدوان وكأنهما مروحة من نار. ومن وسط الرماد الذي يتخلف يخرج طائر جديد فائق الشبه بالقديم يعود من فوره لمكانه الأصلي في بلد الشرق البعيد.

وفي القرن الأول الميلادي كان كليمنت الروماني أول مسيحي يترجم أسطورة العنقاء أو الفنيكس كرمز لفكرة البعث بعد الموت. وكان طائر الفنيكس رمزاً لمدينة روما العصيّة على الموت، وقد ظهر الطائر على عملاتها المعدنية رمزا للمدينة الأبدية.

1dcb577b52e529ae536f454087b3726c

الفنيكس الماسوني “Ordo ab chao

مصطلح “Ordo ab chao” هو لاتيني ويعني بالإنكليزية “Order out of chaos” أي الهدم وإعادة البناء أو النظام من قلب الفوضى، وهو شعار الدرجة الثالثة والثلاثون. وكما يقول دان براون (Dan Brown) في كتابه “الرمز المفقود” (the lost symbol) بأن هذا المصطلح يتجلى في صورة طائر فنيكس ذو رأسين، يحمل سيفاً وراية مكتوب عليها (Deus Meumque jus) وهو تعبير لاتيني يعني الربّ وحقّي (God and my right) أو باللغة الفرنسية “Dieu et mon droit”. وعلى صدره الرقم “33”، للإشارة إلى أعلى درجة ماسونية، الدرجة الثلاثة والثلاثين، وهي شرف خاص بالنخبة مخصص لمجموعة صغيرة من الماسونيين ذوي الانجازات العالية، وكذلك ترمز إلى قمة التبصُّر الروحى فى الماسونية، وفيها تكمن القوى والمعرفة اللامتناهية، وصاحبها يطلع على الأسرار العظمى للماسونية. كما يرمز العدد “33” إلى عدد تغيرات الوعي في شجرة الحياة القبالية.

double-headed-eagle-freemasonry-300x281

وتُصنَع صورة طائر الفنيكس من الذهب الخالص، وتُعلَّق حول رقاب الماسونيين الحاصلين على درجة الـثلاثة والثلاثين للإشارة إلى إعادة ميلاد الحكمة والمعرفة الكاملة، وإشارة رمزية إلى الشمس. وعند عودة ميلاد الانسان بما يزعم أنه دين جديد يواكب النظام العالمي الجديد فإن هذا الدين المزعوم ستصبح فيه الاسباب والمعرفة والعقل هي التي تُعبَد. كذلك يرمز طائر الفنيكس الى اعادة بعث حضارة جديدة تقوم على أنقاض الحضارة الحالية. وتعني هذه الأسطورة ليس فقط إعادة ولادة الماسوني داخل الفكرة الماسونية ولكن ولادة نظام عالمي جديد.

الفنيكس هو رمز للأنظمة السرية في العالم القديم، كونه كان من الشائع الإشارة إلى من تمّ قبوله في هذه المعابد على أنه وُلِد مرتين، أو وًلِد من جديد. تتطلب الحكمة حياة جديدة، ومن أصبح حكيماً كَمَن وُلِد من جديد. فالفنيكس رمزياً ينهض من راية ” ORDO AB CHAO” وتعني الهدم وإعادة البناء أو خلق النظام من قلب الفوضى.

يُعزى اختراع هذا الشعار الى المجلس الأعلى للطقس الإسكتلندي القديم والمقبول (the Supreme Council of the Ancient and Accepted Scottish Rite) في تشارلستون، لكن أول ما وُجِد في براءة اختراع الكونت دو غراس (Conte de Grasse) المؤرخة في الأول من شباط من العام 1802، عندما انتقل الكونت دو غراس إلى فرنسا ليؤسس مجلس أعلى هناك، فاستخدم هو ومجلسه شعار (ordo ab chao) على جميع المستندات الصادرة عنهم.

وفيما يلي بعض الصور من “بيت المعبد”، “المجلس الأعلى ال33 للطقس الاسكتلندي الماسوني القديم والمقبول”، في واشنطن في الولايات المتحدة الأميركية:

SONY DSCSONY DSCSONY DSCSONY DSCSONY DSCSONY DSCSONY DSCSONY DSC