نظرية الفوضى – الجزء الثاني

الفوضى في علوم ما وراء الطبيعة

الديانة الفوضوية

لمى فياض

صيدا، لبنان

كانون الثاني 2017

يمنع نشر المقال الحاضر من دون التقيّد بشرط: ذكر اسم المؤلف ووضع رابط الـمدونة الإلكتروني (HTML Link) الذي يحيل الى مكان المصدر، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.

في الجزء الأول من نظرية الفوضى، نظرية الفوضى في الميثولوجيا والعلوم ، قمتُ بتعريف الفوضى، ومفهوم الفوضى المنظمة والفوضى الخلاقة، ونظرية الفوضى في السياسة والفيزياء والرياضيات وعلم النفس. وتناولتُ مفهوم الفوضى في الميثولوجيا وبالأخص الميثولوجيا الإغريقية والفرعونية وحضارة بلاد ما بين النهرين والميثولوجيا الإسكندينافية، مع تبيان بأن مفهوم الفوضى له جذوره في الأذهان منذ حضارات ما قبل الميلاد حيث عكسوا هذا المفهوم على معتقداتهم وأساطيرهم عن الخلق والتكوين.

أما في هذا الجزء من نظرية الفوضى، فسأتطرق بموضوعية إلى مفهوم الفوضى في علم الماورائيات وفي دراسة علوم ما وراء الطبيعة (Occultism) من خلال التطرق إلى وإلقاء الضوء على مفهوم الديانة الفوضوية (Chaos Magic) ونشأتها وتعاليمها ومعتقداتها. وما يميّز هذا المقال، بأنه من المقالات العربية النادرة التي تتناول هذا الموضوع بالتحديد بإسهاب. وإن هذا المقال لا يهدف بشكل أو بآخر إلى الدعوى لممارسة هذه الديانة، وإنما إلقاء الضوء عليها وشرح معتقدات أفرادها وممارسيها.

إن المصطلح المتداول في اللغة الانكليزية هو (Chaos Magic) أي بالترجمة الحرفية “السحر الفوضوي”، ولكن الأصح ترجمتها إلى الديانة الفوضوية، كون أن ال   Chaos Magic يقوم على إيمان ونظام اعتقاد ومعتقد. بالتالي فالمصطلح المعتمد في المقال سيكون الديانة الفوضوية، و Chaotition هو معتنق الفوضوية أو ممارس الفوضوية أو الفوضوي.

يعتمد هذا المقال بشكل أساسي على المقال الإنكليزي Chaos Magic – Postmodern Occultism In The 21st Century بقلم ألكسندر غرين “Alexander Greene“.

البدايات المبكرة

في بداية القرن العشرين، لاقت دراسة علوم ما وراء الطبيعة رواجاً كبيراً، فظهرت عدة مجموعات منها المنظمة الهرمسية للفجر الذهبي “the Hermetic Order of the Golden Dawn” و”Spiritualism” و” the Ordo Templi Orientalis” فاستقطبت عدداً من المفكرين والشعراء وبعض أفراد الطبقة الأرستقراطية. كما ظهرت مجموعات أخرى ولكنها تبّنت فلسفة أكثر عنصرية وتطرفاً وأقل تعمقاً وفهماً لمسائل ما وراء الطبيعة ﻛ “the Theosophical Society ” و” Thule Society”.

وفي فترة أواخر الستينات وأوائل السبعينات، تشتت هذه المجموعة وتمّ حلّها أو تغييرها. وبدأت تنتشر فلسفات وتيارات روحية جديدة كالويكا “wicca” التي تعتبر كإعادة إحياء لعبادة الارض القديمة، وبدأ الناس ينشدون البحث عن الحقيقة فيتابعون نظريات اليوفو “ufo” أو ينشدون الإجابات في الاهرامات الخ.

copyscape-seal-black-120x100

نشأة وتاريخ الديانة الفوضوية

نشأ مفهوم ديانة الفوضوية في يوركشاير في انكلترا عام 1976، أي منذ ما يقرب الأربعين عاماً، وبالتحديد في دبتفورد على أثر اجتماع بين بيتر ج كارول (Peter J. Carroll) وراي شاروين (Ray Sherwin) وشكّل بداية انتشار الديانة الفوضوية. وفي عام 1978 أسّس كارول وشاروين منظمة (Illuminates of Thanateros) وهي بؤرة الديانة الفوضوية. ومن ثم بدأ هذا المفهوم بالانتشار في الثمانينات ليزدهر في التسعينات، بالتزامن مع صيحة واكتشافات نظرية الفوضى في العلوم والرياضيات. ليعود وينحسر في الآونة الأخيرة، مع بعض المنظمات فقط، ﻛ (the Order of Thanateros) التي تمّ تأسيسها لممارسة الديانة الفوضوية، لتدمّرها فيما بعد الفضائح الرهيبة المرتبطة بها. في الوقت الحالي، ما زالت تُمارَس الديانة الفوضوية بشكل فردي أو في مجموعات صغيرة هنا وهناك، بدون أن توجهها أية سلطة مركزية، أو فلسفة رسمية تتعدّى فكرة أن المعتقدات هي مجرد وسيلة، تُستخدَم فقط لإحداث التغيير.

e3f91064-2377-4c24-9711-22d31f59e1b0

هدف الديانة الفوضوية

تهدف ديانة الفوضوية إلى توفير فلسفة جديدة وأسلوب تفكير عبر تسخير ظروف الكون الخفية لصالح إرادة معتنقها لغرض بلوغ التحرر الذاتي والتنور الذاتي. تعتمد هذه الفلسفة في الأساس على أن الايمان ونظام المعتقدات هي وسائل نافعة فقط. فالفوضوي (Chaotitian) قد يؤمن بديانة الويكا في يوم، وفي اليوم الآخر يؤمن بالبوذية أو بديانة أخرى أو بلا شيء على الإطلاق. فالإيمان وحده يُستعمل فقط لإنجاز المهمة. فإذا لم يكن فعالاً، يعتنق إيماناً آخر، وهكذا حتى يحصل على نتيجة.

فنظرية الديانة الفوضوية تقول بأن الإيمان هو قوة سحرية نشطة، وتشدّد على مرونة الإيمان والقدرة على الاختيار الواعي للشخص لمعتقداته، ليستخدم الإيمان كأداة وليس كجزء ثابت من شخصية الإنسان. ويتم توظيف تقنيات نفسية متنوعة لغرض حثّ مرونة الإيمان والمعتقد.

كما تعتقد الديانة الفوضوية بأن كل نظام مبني في الكون، انطلاقاً من تشكيل المجرات في تجمعات عنقودية ضخمة وصولاً إلى تكوين الجزيئيات للذرة، هو نتيجة للفوضى الأساسية، وذلك كقشرة مؤقتة متكونة في أعلى بركة حمم بركانية منصهرة داخل فوهة بركان نَشِط. وتؤكد الديانة الفوضوية بأن هذه القشرة هي مؤقتة وعشوائية وبلا معنى، ويمكن أن تتفكك أو يُعاد تشكيلها أو تغييرها عبر الوصول إلى الفوضى والسماح لها بتغيير الاحتماليات في الكون الجليّ على نطاق محلي.

الأعمال والممارسات

هناك خمسة أنواع من الممارسات أو الأعمال في الديانة الفوضوية والتي يُتوقَع من الفوضوي اتقانها جميعاً، وهي: التنبؤ، الاستحضار، التعويذات، التنوّر، الابتهال.

1- التنبؤ: هي عملية الحصول على معرفة حول أمر ما من خلال استعمال وسائل وأدوات مثل قراءة التاروت (Tarot readings)، قراءة الكف (Palmistry – palm reading)، قراءة ورق اللعب (Cartomancy or playing card reading)، قراءة الأحرف الرونية (Rune reading) وهي أحرف اسكندينافية قديمة تستخدم للتنبؤ بالمستقبل أو الطريق الذي ستسلكه المشكلة أو المسألة موضع التنبؤ، (معاني الأحرف الرونية – الرونات) (الرونات الأحرف الرونية – أدوات سحر وتنبؤ وتنجيم(Lithomancy and crystallomancy) قراءة الأحجار أو كريستالات صغيرة بعد غمرها بالماء أو قراءة الكرة البلورية (Scrying). (تطوير الذات عبر علم الباراسايكولوجي أو ما وراء النفس)

2- الاستحضار: هي عملية تشكيل رمز، يُعرَف ب (egregore)، ويجسّد رغبة أو ثروة، ويشكّل جزءاً من شخصية الفوضوي الخاصة. هذا ال (egregore) يأخذ شكل أداة رمزية كتعويذة حظ أو حرز، وذلك لمصلحة الفوضوي على المدى الطويل، كاستحضار هالة سلام في معبد الفوضوي.

وقد عرّفت ويكيبيديا (egregore) بأنه مبدأ ماورائي يمثل شكل فكرة (Thoughtform) أو فكر جماعي لمجموعة، وحدة ذهنية مستقلة بذاتها تتألف من وتؤثر على أفكار مجموعة من الأشخاص.

أما مفهوم “شكل فكرة” أو الشكل الفكري (thoughtform)، فقد وصفها ويليام والكر أتكنسون (William Walker Atkinson) في كتابه “الهالة البشرية” (The Human Aura) بأنها أشياء أثيرية تنبعث من الهالات المحيطة بالأشخاص، وتتولّد من أفكارهم ومشاعرهم، تخدم كإسقاطات نجمية وقد تبدو أو لا تبدو كالشخص الذي يسقطهم، أو تبدو كأوهام يمكن رؤيتها فقط من قبل ممن يتمتع ﺑ”حواس نجمية متنورة”. أما آني بيسنت (Annie Besant) فقد قسمّت الأشكال الفكرية في كتابها “الأشكال الفكرية” إلى ثلاثة أنواع: أشكال في هيئة الشخص الذي يخلقها، أشكال تشبه الأشياء أو الأشخاص ويمكن أن يتم تلبسها روحياً، وأشياء يمكن أن تمثل “الميزات الفطرية” من المستويات النجمية أو الذهنية، كالمشاعر.

3- التعويذات: التعويذات هي تبديل قوي وقصير الأمد للواقع الحالي، بتحريف الاحتماليات طويلة الأمد لحصول أمر يستحسنه الفوضوي. التعويذة تتضمن تشكيل رمز سحري (sigil)، إشارة تجريدية تجسّد أمنية الفوضوي المعينة، تمثيل رمزي للنتيجة المرغوبة للفوضوي. مثال تعويذة لزيادة احتمال الحصول على وظيفة.

4- التنوّر: من الأعمال الأكثر قوة هو التواصل مع الذات الأعلى، والالتزام الشخصي للهدف الأسمى في الديانة الفوضوية. يتضمن التنوّر البحث عن أنواع مختلفة من الغنوص (الجنوسيس) أو المعرفة الغنوصية (Gnosis) واستخدام قوى داخلية مؤثرة لجلب تغييرات لتطوير نسخة من الذات أكثر تنوّراً، وأيضاً لتقوية أعمال أخرى.

5- الاستدعاء الداخلي: بدلاً من خلق (egregore) لوضع شيء خارجي، يبحث الفوضوي لتجسيد (egregore) في داخل ذاته، بخلق بيت مؤقت داخل جسد الفوضوي، وتوليد طاقة (egregore) بنفس طريقة الاستحضار ليُركّب في حرز أو تعويذة حظ.

hqdefault

الغنوص (Gnosis)

الغنوص أو غنوسيس (Gnosis) كلمة يونانية تعني المعرفة وتستعمل في الإنكليزية للإشارة للمعرفة الروحية للقديسين أو الأشخاص المتنورين روحياً. تشير للمعرفة المباشرة من مصدر إلهي أو فوق طبيعي، وبالتحديد إلى التنوير الذي يوثق وجود الأمور فوق الطبيعية.

الغنوصية أو العرفانية هو مصطلح حديث يجمع الديانات القديمة التي انعزل أتباعها عن العالم المادي الذي خلقه خالق الكون المادي، وانغمسوا في العالم الروحاني. تأثرت العديد من الديانات القديمة بالأفكار الغنوصية التي تقول بأن الغنوص تُفسّر بمعاني مختلفة كالمعرفة أو التنوير أو الخلاص والتحرر أو التوحد مع الله. يمكن الوصول إليها من خلال ممارسة الخير والزهد في المال حتى الفقر والتبتل، والسعي وراء الحكمة من خلال مساعدة الآخرين. ولكنهم اختلفوا في كيفية تطبيق تلك الممارسات. وفي الغنوصية، يتمثل عالم خالق الكون المادي في العلم السفلي الذي يرتبط بالمادة والجسد والزمن، فهو عالم سريع الزوال. أما عالم الله فيتمثل في العالم السماوي العلوي الذي يسمو بالروح إلى الكمال، وعالم الله السماوي أزلي وليس جزءً من المادية. ولم تُصنّف الغنوصية على أنها نظام فكري مستقل إلا مع تطورها بحلول القرن الثاني الميلادي.

self-knowledge-11

الغنوص والديانة الفوضوية

إن مفهوم الحالة الجنوسيسية أو الحالة الغنوصية (The Gnostic State) تم تقديمه من قبل بيتر كارولل وهي حالة معدلّة للوعي. وهذا المفهوم له جذوره في الديانة البوذية. ويتم بلوغ الحالة الغنوصية عندما يركّز فكر الشخص على نقطة واحدة فقط، فكرة واحدة، هدف واحد، بينما تُطرد الأفكار الأخرى خارجاً.

تتطلب الديانة الفوضوية الانضباط، لأنها تستخدم الطاقات الداخلية التي تسمى عادةً بطاقة الQI أو KI، ومصادر طاقة خارجية. وتتضمن فلسفة الديانة الفوضوية بأن الرموز السحرية والتنبؤ والتجسيدات الفكرية وغير ذلك، يتم تقويتها عبر “كي” (QI) لتشكّل رابطة مع الكون، وبأن هذه ال”كي” (QI) يمكن الدخول إليها عبر حالة من الفكر تسمى الغنوص (Gnosis).

هناك عدة أنواع مختلفة من الغنوص، تكتشف كل واحدة منها مدى معين من المشاعر كالخوف، والاحتضار والفرح العظيم. يخلق الغنوص حالة من الفكر معدّلة حيث تتدفق الطاقة من خلال وإلى الرمز السحري (Sigil) أو الشكل الفكري (Egregore) المتخيّل، أو إلى داخل الفوضوي نفسه في حالة الاستدعاء الداخلي.

أمثلة عن الغنوص تتضمن الغنوص الأزرق للثروة، حيث يحيط الفوضوي نفسه بهالة دخانية زرقاء مع التأكيد بأن المال يجذب المال، لكن المال يتراكم فقط حيث يتدفق بشكل أسرع. والغنوص البرتقالي للسرعة والبصيرة وسرعة البديهة والبراعة حيث تصبح شخصية الفوضوي كالمخادع. الغنوص البني هو غنوص الحياة التي تحكمها الغريزة. الغنوص الفضي هو غنوص الانجذاب الجسدي والإثارة والحب. الغنوص ما فوق البنفسجي هو غنوص الفوضوي نفسه، فطاقات الكون ذاته تتدفق من خلال جسد وروح الفوضوي كشعلة سوداء. وهكذا في فلسفة الديانة الفوضوية، كل لون من الغنوص يجلب طاقاته الخاصة.