نظرية الفوضى – الجزء الأول

نظرية الفوضى في الميثولوجيا والعلوم

لمى فياض

كانون الأول، 2016

يمنع نشر المقال الحاضر من دون التقيّد بشرط: ذكر اسم المؤلف ووضع رابط الـمدونة الإلكتروني (HTML Link) الذي يحيل الى مكان المصدر، تحت طائلة تطبيق احكام قانون حماية الملكية الفكرية.

chaos-theory1

تعريف الفوضى Chaos

عرّفت ويكيبيديا (Wikipedia) الفوضى (Disorder) على أنها أي فقدان للنظام والترابط بين أجزاء مجموعة أو جملة أجسام سواء كانت جملة فيزيائية أو مجتمع إنساني أو اضطرابات قبيلية أو سياسية مثل فقدان الأمن في منطقة معينة. وفي اللغات اللاتينية تستخدم أيضا كلمة Chaos لوصف حالة الفوضى والاضطرابات غير المتحكم بها.

مفهوم الفوضى المنظمة

يشير مفهوم فوضى منظمة (chaordic) إلى نظام مؤسسة تمزج بين مميزات الفوضى والنظام. وقد تمت صياغة هذا المصطلح من قبل دي هوك (Dee Hock)، الذي أنشأ شركة فيزا لبطاقات الائتمان ومديرها التنفيذي السابق. فالمزج بين الفوضى والنظام غالباً ما يوصف بالتعايش التوافقي من خلال عرض مميزات كليهما، دون أن يُسيطر سلوك أي من الفوضى أو النظام. وقد استخدمت مبادئ الفوضى المنظمة أيضًا كدليل لخلق المنظمات البشرية التجارية، وغير الربحية والحكومية والمختلطة، التي لا تكون شبكات عمل مركزية ولا فوضوية.

chaos-theory

الفوضى الخلاقة  Creative Chaos

هو مصطلح سياسي يقصد به تكوّن حالة سياسية بعد مرحلة فوضى متعمدة الإحداث تقوم بها أشخاص معينة بدون الكشف عن هويتهم وذلك بهدف تعديل الأمور لصالحهم، أو تكون حالة إنسانية مريحة بعد مرحلة فوضى متعمدة من أشخاص معروفة من أجل مساعدة الآخرين في الاعتماد على أنفسهم. ويبدو من هذا المفهوم أن الفوضى الخلاقة أقرب إلى مفهوم “الإدارة بالأزمات” في المجال الاستراتيجي مع اختلاف الآليات والوسائل .

والإدارة بالأزمات هي علم وفن صناعة الازمة وإفتعالها وإدارتها بنجاح لغرض مصالح محددة ويترتب على هذا النوع الازمات تفكيك للمنظومة المعنية أو المستهدفة مما يسهل الولوج الى مكوناته الاساسية الأمر الذى يؤدى الى انهيار كلّي للنظام، وإعادة تشكّله بطريقة تعكس تلك المصالح .

يعتقد أصحاب وأنصارالفوضى الخلاقة بأن خلق حالة من الفوضى وعدم الإستقرار سوف يؤدي حتماً إلى بناء نظام سياسي جديد، يوفر الأمن والازدهار والحرية. وهو ما يشبه العلاج بالصدمة الكهربائية لعودة الحياة من جديد.

الفوضى الخلاقة في العلاج النفسي

يذهب مارتن كروزرز، وهو مؤسس مذهب جديد في علم العلاج النفسي، أن الفوضى إحدى العوامل المهمة في التدريب والعلاج النفسي، فعند الوصول بالنفس إلى حافة الفوضى يفقد الإنسان جميع ضوابطه وقوانينه، وعندها من الممكن أن تحدث المعجزات.. فيصبح قادراً على خلق هوية جديدة، بقيم مبتكرة ومفاهيم حديثة، تساعده على تطوير البيئة المحيطة به.

copyscape-seal-black-120x100

الفوضى في الفيزياء والرياضيات

نظرية الشواش، من أحدث النظريات الرياضية الفيزيائية، وتترجم أحياناً ﺑ “نظرية الفوضى” (كايوس)، تحاول نظرية الفوضى أن تستكشف النظام الخفي المضمر في هذه العشوائية الظاهرة محاولةً وضع قواعد لدراسة مثل هذه النظم مثل التنبؤات الجوية وتقلبات المناخ، وحركة أمواج البحر، والتقلّب في الأنواع الحية وأعدادها، والتذبذب في عمل القلب والدماغ، والنظام الشمسي واقتصاد السوق وحركة الأسهم المالية والتزايد السكاني، وتقنيات خاصة في علوم الكمبيوتر، وانتشار الأوبئة.

من أشهر من بحث في الشواش أو الفوضى كان عالم الأرصاد، المدعو “إدوارد لورينتز”. إذ توصل إلى ما يُعرَف ب “قانون تأثير الفراشة” “the butterfly effect”، والعبارة الشهيرة “لو خفقت فراشة بجناحيها في البرازيل سيكون نتيجة تأثيرها على المناخ إعصار بأميركا”، أي أن أي اختلاف بسيط في بداية المعطيات، له تأثير كبير على نتائجها. اليوم تعتبر الفراشة رمزاً لنظرية الفوضى، وكثيرا ممن يتخذون لفظ فوضى اسماً لشركاتهم أو منتجاتهم يكون شعارها على هيئة فراشة زاهية الألوان.

بالنسبة لبعض الفيزيائيين، تُجسّد نظرية الفوضى علماً عن العمليات المتحركة أكثر مما تصلح وصفاً للحالات الثابتة، وأنها علم ما قد يتحقق وما قد يكون، أكثر مما هي علم الكائن والمتحقق فعلاً. تصف الفوضى ظواهر مثل: عمود الدخان الذي يرتفع من رأس سيجارة مشتعلة، وعلّم يخفق في الريح، واهتزاز الطائرة في الجو، وجريان النفط في الأنابيب، وصنبور يرشح نقطة نقطة بطريقة غير ثابتة.

بغض النظر عن الوسط الذي تحدث فيه الظاهرة، بدت نظرية الفوضى وكأنها تستطيع أن تصوغ قوانين مشتركة تربط أنواع الظواهر المضطربة بعضها ببعض. تَعبُر نظرية الفوضى الحدود الفاصلة بين الاختصاصات العلمية. وبوصفها نظرية عن الطبيعة الكلية للنُظُم، استطاعت أن تجمع مفكرين من حقول علمية اعتُبرت متباعدة تقليدياً.

الفوضى في الميثولوجيا

الفوضى في الميثولوجيا الإغريقية

بحسب الميثولوجيا الإغريقية القديمة، “كاوس” هو الربة الأولية لهذا الكون الذي أتت منه بقية الأرباب الأولية والتي تدعى أيضا بأرباب الخلق الأولى. وهي الربة التي تجسّد المكان الغير محدّد والمادة التي لا شكل لها والتي سبقت كل خلق وكل خليقة وكل ما هو معروف، وهي تدل على كل ما كان موجوداً قبل خلق الكون، وهكذا تكون كاوس هي الكتلة الأولية لهذا الكون المؤلفة من عناصر الطبيعة الأربعة النار والهواء والماء والتراب، والتي تبعثرت وتناثرت بكل الاتجاهات قبل أن تهدأ وتستقر. كاوس كلمة إغريقية قديمة تكتب (χάος) وتلفظ [‘kha.os] . وكاوس بالإغريقية القديمة معناها الفراغ والظلام اللذان بلا حدود ويمكن أن يتم ترجمة معنى الكلمة أيضاً بأنها الفراغ العشوائي الأولي للكون أو ما يسمى أيضاً السديم الكوني الأولي.

chaosgreekmythology
Chaos Greek Mythology

الفوضى في الأساطير الفرعونية

في الديانة المصرية القديمة، ست “Seth” هو إله الصحراء والعواصف والأجانب. في الأساطير اللاحقة كان أيضًا إله الظلام والفوضى. يُصوَّر ست بالغاصب الذي قتل وشوه اخاه أوزوريس، ولذلك أصبح إله الشر والعنف. أما ست فقد عاد تمجيده من قبل فراعنة مصر في عصور الدولة الحديثة، فكانوا بستعينون به كإله الجبروت والبطش والانتصار. ويقدمون له القرابين بغرض مساعدتهم في محاربة أعدائهم. وأعزيت إليه انتصارات كبيرة.

seth-h4
ست  Seth

في الأساطير الفرعونية أيضاً، كان أبوفيسApophis” ثعبان الماء رمزاً للفوضى الكونية الأزلية الكامنة تحت مياه الأزل، وتُنطق أيضاً “أپـِپ” واعتُبِرَ ثعبان الشر في العالم السفلي، وتشكَّلّ من بصق نيث أثناء تشكيلها العالم السفلي.

أبوفيس هو الثعبان الوحيد الذي يحمل رمزاً سلبياً ومخيفاً عند قدماء المصريين. فهو من أكثر أنواع الثعابين خطورة، لأنه يكون مختفياً تحت الماء. ولقد رأوا فيه رمزاً لأشد الكائنات الإلهية خطراً على منظومة الكون كله، والتي تتربص بالكون وتريد الانقضاض عليه لكي تعيده إلى حالته الأولى قبل الخلق، حين كان كل شيء كامناً، لم يتشكّل بعد.

apep1
أبوفيس  Apophis

الفوضى في ديانات حضارات ما بين النهرين

تيامات “Tiamat” هي إلهة المحيط في ديانات حضارات ما بين النهرين القديمة التي تتزوج من أبزو إله المياه العذبة لينتجا آلِهة أصغر. ترمز تيامات لفوضى الخلق البدائية وتصور بهيئة إمراءة تمثل الأنوثة والجمال بشكل متلألىء. هناك شقّان لهذه الأسطورة، إحداهما تقول إن تيامات هي إِلهة خالقة من خلال زواج مقدس سلمي بين الملح والمياه العذبة حيث خلق الكون خلال الأجيال المتعاقبة. في الجزء الثاني من ملحمة فوضى الخلق تظهر أسطورة تيامات كتجسيد وحشي للفوضى البدائية وتصور تيامات بها على شكل ثعبان البحر أو تنين.

كانت تيامات التجسيد المتلألئ للمياه المالحة الذي هدر وضرب في حالة فوضى الخلق البدائية. ملأت تيامات مع أبزو الفراغ الكوني بالمياه البدائية. إن أسطورة تيامات هي واحدة من أقدم قصص الخلق من الفوضى وهي المعركة بين بطل قومي ووحش مائي أو مخلوق من العالم الآخر أو ثعبان أو تنين.

tiamat_by_milesian27
تيامات  Tiamat

الفوضى في الأساطير الإسكندنافية

في الأساطير الإسكندينافية، العمالقة أو اليوتن، أو المفترسون، هم ممثلو الفوضى البدائية والظلمة الرئيسية. وقد أقاموا في إقليم يوتنهايم، أرض الظلام والرعب والموت، وانقسموا إلى عمالقة الجليد، وعمالقة الجبال وعمالقة النار. وتتحد العمالقة مع بعضها أخيراً في المعركة النهائية راغناروك ضد الآلهة. وقد أتت العمالقة من نسل العملاق الأول “يمير” “Ymir“، الذي تشكّل قبل أن يوجد تراب، سماء، أو أي شيء أخضر، في الفراغ المتثاؤب والهاوية الصامتة والمظلمة غينونغاغاب بين عالم النار موسبيلهايم وعالم الجليد نيفلهايم. وذلك من قطرات المياه المذابة نتيجة التقاء قطع جليدية من نيفلهايم مع ألسنة لهب من موسبيلهايم، في غينونغاغاب. ولم يكن “يمير” محدد الجنس، فكان يتكاثر بشكل استثنائي، فمن تعرّقه ولدت المزيد من العمالقة.

في الأساطير الإسكندينافية، لم يأتي العالم من فراغ، بل كان لا بد أن يسبقه دمار، فكانت الحياة تتغذى من الموت. فالآلهة الثلاثة “أودين”  “Odin” و”فالي” “Vili” و”في” “Ve” لم تكن لتشكّل هذا الكون من لاشيء، كما هي قكرة الخلق في الديانات الأخرى، بل كان لا بد من ذبح العملاق يمير، الذي شخّص الفوضى البدائية، وكان الامتداد الشخصي لهاوية غينونغاغاب. فقام أودين وأخوته بقتل يمير، وقاموا بتشكيل العالم من جثته، فخلقوا المحيطات من دمائه، وخلقوا التربة من جلده وعضلاته، والنباتات من شعره، الغيوم من دماغه، والسماء من جمجمته. ووكلوا أربعة أقزام لحملها. وبعد تسيير عمليتي الليل والنهار، قامت الآلهة أخيراً بخلق أول البشر “أسك” و”إمبلا” من جذعي شجر، وبنوا السياج حول عالمهم ميدغارد من رموش يمير ليحموهم من هجمات العمالقة.

 وكانت ذريته، العمالقة، تحاول دائماً إعادة هذا الكون إلى حالته الفوضوية البدائية. وقد استطاعوا ذلك من خلال المعركة النهائية راغناروك “Ragnarok”، التي هي المصير المحتوم للآلهة والعمالقة والبشر، وهذا ما عرفته الآلهة جيداً، وقد قامت بالتحضير لهذا اليوم الموعود. إلا أن هذه النهاية ليست سوى بداية عالم جديد تسوده الأراضي الخضراء ويعم السلام والأمان، ويحكم “بالدر” ومعه مجموعة من الآلهة الجديدة، ويتوالد البشر من جديد.

3b8c4681ce975551575770fcc64591df
يمير  Ymir