حيل الذكاء – دهاء الإغريق الميتيسي

مارسيل ديتيين وجان بيير فرنان

ترجمة د. مصطفى ماهر

عين للدراسات والبحوث الإنسانية والإجتماعية

الطبعة الأولى، 2000م

مقالات ذو علاقة: (قوانين الدهاء) (إمتلك دهاء الثعلب وذكاء الذئب) (كيف تقوّي طاقة عقلك)

مقتطفات

إن الفرد الذي وهب الدهاء المتيسي، عندما يواجه واقعاً متشابكاً، متغيراً ذا قوة لامحدودة في التحور تحورات عديدة تجعل الإحاطة به أقرب إلى المحال، هذا الفرد لا يستطيع السيطرة على هذا الواقع، أي لا يستطيع أن يحصره في إطار صورة واحدة ثابتة يكون له عليها سلطان، إلا بأن يبدو هو نفسه أكثر مرونة وتعدداً، أكثر حركة، أكثر تنوعاً في القيم من غريمه. وهنا ينبغي على الفرد أن يصطنع الطريقة نفسها، من أجل الوصول مباشرة إلى هدفه، ومن أجل متابعة طريقه دون انحراف خلال عالم متميع، مهزوز لا يكف عن التأرجح إى هذا الجانب وإلى ذاك، أي ينبغي على الفرد أن يتلوى، وأن يصطنع لنفسه ذكاء متلوياً ومرناً، لكي يتلوى في كل اتجاه، وأن يجعل مسلكه “معوجاً” حتى ينفتح نحو كل الاتجاهات في وقت واحد،. وإذا شئنا استخدام اللفظ الإغريقي قلنا إن الأجلوميتيس agkulometes أي الذي يملك ناصية دهاء ميتيسي ملتو la metis عليه أن يجمع إلى أكبر قدر من الاستقامة قدرة على سلوك الطريق الذي ينتهي إلى التحقيق الفعلي لما انعقدت عليه النية.

الدهاء شكل من الذكاء والفكر، وأسلوب معرفة، وهوعبارة عن مجموعة مركبة، ولكنها مترابطة أشد الترابط، من التوجهات العقلية، والسلوك الفكري، تجمع: الحس – الفطنة – التنبؤ – الملاينة – المخادعة – المكر – النباهة – البديهة – المهارات المختلفة – الحنكة. وهو ينصب على وقائع خاطفة مانعة محيرة ومختلطة، لا تخضع للقياس الدقيق، ولا للحساب المحدد ولا للتدبير المنطقي الصارم. (إمتلك دهاء الثعلب وذكاء الذئب)

إن قدرة الذكاء التي تشير إليها لفظة ميتيس الدهاء تعمل عملها على مستويات منوعة كل التنوع ولكنها تشترك كلها في التشديد على الفعالية العملية وعلى السعي إلى تحقيق النجاح في المجال العملي، وتضم: العديد من وسائل التصرف المحنك المفيدة في الحياة العملية، وبراعة الحرفي في حرفته، والحيل السحرية، واستخدام منقوعات وأعشاب، وحيل الحرب، وأسليب الخداع، والاحتيال، ومختلف أنواع التصرف.

يمكن تحقيق النجاح بطريقتين. إما بالتفوق في “القوة” في المجال الذي تجري فيه المنازلة، فيفوز الأقوى. وإما باستخدام وسائل من نوع آخر تؤدي تحديداً إلى تزييف نتائج المباراة وإلى جعل النصر من نصيب هذا الذي كان في مقدورنا يقيناً أن نعتبره الخاسر. هكذا يكتسب النجاح الذي يجلبه الدهاء المتيسي معنى مختلطاً: تتعارض حياله ردود الفعل بحسب السياق. فأحياناً يعتبر النجاح ثمرة خدعة، لعدم احترام قواعد اللعبة. وفي أحيان أخرى يثير من الإعجاب بقدر ما يزيد في المفاجأة، عندما يجد الأضعف في نفسه، خلافاً لكل توقع، ما يكفي من إمكانات لوضع الأقوى تحت رحمته. والدهاء من بعض جوانبه ينحو ناحية الاحتيال الخائن، والكذب المخاتل، والغدر، وهي أسلحة مقيتة تلجأ إليها النساء والجبناء. ويلوح من بعض جوانبه الأخرى أعلى قيمة من القوة، إنه على نحو ما السلاح المطلق، السلاح الوحيد الذي له القدرة في كل الظروف ومهما كانت شروط الكفاح على تحقيق النصر والهيمنة على الغير. ومهما كان الرجل أو الإله من القوة، فثمة لحظة تأتي دائماً يجد فيها من هو أقوى منه: فالتفوق في الدهاء الميتيسي هو وحده الذي يضفي على الرفعة تلك السمة المزدوجة من الدوام والعموم التي تجعلها بحق سلطة فائقة.

إن عمل الدهاء الميتيسي يجري على أرضية مائعة، في موقف يعوزه اليقين والوضوح، حيث تتواجه قوتان متعارضتان، وفي كل لحظة يمكن أن تنقلب الأمور وتسير إما في هذا الاتجاه أو في اتجاه آخر. الدهاء الميتيسي يتيح لصاحبه سيطرة على هذا الوقت المصاب المائع الذي تجري فيه المنازلة، سيطرة ما كان المنازل بدونها إلا ضائعاً عديم الحيلة: في أثناء المنازلة يبدو الانسان صاحب الدهاء بالقياس إلى غريمه، وفي وقت واحد: أكثر تمركزاً في حاضر لا يفلت منه شيء، أكثر توجهاً إلى مستقبل سبق إلى تدبير بعض جوانبه، أكثر ثراءً بخبرة تراكمية من الماضي. هذه الحالة من التأمل المسبق الحذر، ومن الحضور المستمر في الأحداث الجارية، يعبر عنه الإغريقي مستخدماً صورة التربص والرصد عندما يقوم الرجل الحذر برصد غريمه ليسدد ضربته في اللحظة المختارة. (كيف تقوّي طاقة عقلك)

الرجل صاحب الدهاء الميتيسي متأهب دائماً للقفز، وهو يتصرف بسرعة خاطفة في زمن مقداره البرق. (الزمن بين الكرونوس والكايروس) ولا يعني هذا أنه ينصاع – كما يفعل عادة أبطال هوميروس – لخاطر عفوي مفاجئ. بل العكس هو الصحيح، فالدهاء الميتيسي يعرف كيف ينتظر في صبر حتى تسنح الفرصة المأمولة. حتى إذا عمل الدهاء الميتيسي عمله استجابة لدافع مفاجئ، فإنه يعمل عكس العفوية. الدهاء الميتيسي سريع، خاطف كالفرصة التي يكون عليه أن يمسكها وهي طائرة دون أن يتركها تعبر. ولكن الدهاء المتيسي يمكن أن يكون أي شيء إلا أن يكون خفيفاً: فهو يحمل ثقل الخبرة المكتسبة، إنه فكرة مكثفة، ملبدة، محبوكة، وهو بدلاً من أن يطفو هنا وهناك على هوى الظروف، يلقي مرساة العقل عميقاً في قلب المشروع الذي دبره من قبل، وهو يفعل هذا بفضل قدرته على تجاوز الحاضر والتنبؤ بشريحة سميكة نسبياً من المستقبل.

في عالم الحيوان، كما في عالم البشر، يتدخل الدهاء المتيسي باستمرار لتزييف علاقات القوة. فليست القاعدة هي أن الجسيم يأكل الضئيل: “فأولئك الذين لم ينعم الرب عليهم بنعمة القوة والذين لم يزوّدوا بشوكة صلبة ليدافعوا بها عن أنفسهم لديهم أسلحة تتمثل في إمكانات ذكائهم الخصب الغني بالحيل والخدع، فيمكنهم أن يهلكوا سمكة تفوقهم في بسطة الجسم وفي القوة”. فليس الضعاف والنحاف محكوماً عليهم مقدماً بالهزيمة. والسرطانات المائية حيوانات بحرية صغيرة، قوتها – كما يقول أوبيانوس – متناسبة مع أجسامها: “ومع ذلك فإنها بفضل حيلها تنجح في قتل ذئب البحر وهو من أشد الأسماك قوة”.

من بين كل الحيوانات التي يميزها دهاؤها الميتيسي هناك حيوانان يفرضان نفسيهما بصفة خاصة على الاهتمام، ألا وهما: الثعلب والأخطبوط. ولهما في الفكر الإغريقي قيمة النموذج، فكأنهما تجسيد للدهاء في عالم الحيوان. كل واحد يمثل ناحية جوهرية من الدهاء الميتيسي. أما الثعلب فلديه في جعبته ألف ألعوبة، ولكن دهاءه يبلغ ذروته فيما يمكن أن نسميه حركة الانقلاب أو سلوك الإنقلاب. وأما الأخطبوط فإنه يرمز بما أوتيت لمّاساته من مرونة فائقة إلى الإفلات اعتماداً على التحور المتعدد.

الهوائي هو الرجل المتقلب الذي يشعر بأنه يتغير في كل لحظة، يحس بكيانه الرجراج، يتقلب مع كل نسمة ريح، إنه “فريسة الزمن الخادع”، الزمن الذي يغير مسار حياة. أما المناور المتعدد الثنايا والطوايا فإنه يمكّن لنفسه اعتماداً على سيطرته، فهو: مرن، متموج، وهو مسيطر على نفسه دائماً، وهو لا يبدو متقلباً إلا في الظاهر. وحركات التقلب التي يقوم بها هي الفخ أو الشبكة التي يقع فيها عدوه. وهو بدلاً من أن يكون لعبة في يد الحركة، يسيطر عليها، ويلعب بها ويلعب بالآخرين بسهولة ترجع إلى أنه يبدو في ظاهره كالهوائي. وبين المناور المتعدد الثنايا والطوايا وبين الهوائي المتقلب من البعد مثل ما بين الأخطبوط والحرباء: فإذا كانت تحورات الحرباء ناجمة عن الخوف، فإن تحورات الأخطبوط ناجمة عن الدهاء.

إن السفسطائي بارع في تناول الكلام بالتثنيات والمداخلات. التثنيات: لأن السفسطائي متمكن من فن التثني بألف طريقة، والتحايل بألف وسيلة تحايل، ومحاكاة الثعلب فيقلب الحجة التي استخدمها الخصم نفسه ويجعلها ضده. وهويشبه بورتيوس في أنه لكي يفلت من قبضة الآخر يصطنع كل الأشكال الحية. والمداخلات: لأن السفسطائي لا يكف عن تعقيد الرأي والرأي المضاد في بعضهما البعض: أنه ينحو تماماً منحى بالاميديس، مثل زينون الإيلي، ويتكلم بقدر فائق من الفن يمكنه من أن يجعل الأشياء نفسها تبدو لمستمعيه تارة متشابهة وتارة متباينة، تارة واحدة وتارة متعددة. وكلماته المتداخلة هي من قبيل الفخاخ، الألغاز التي تنطق بها الآلهة ذوات الدهاء والتي يسميها الإغريق جريفوي griphoi.

مجموعة الكلمات – الخديعة، الاحتيال، المماحلة، المناورة، الإيهام، الرجرجة، المخاتلة، الإغراء – التي تحدد بما تتضمنه من سمات نوعية هذا النمط من الذكاء الدهائي الذي يتميز بالمعاجلة والمرونة، والإلتواء والمخادعة مما يمكنه من مواجهة ما لم يكن في الحسبان، والتصدي لأكثر الظروف تغيراً والفوز في المعارك غير المتكافئة على أعداء تسلحوا بأسلحة أفضل لخوض مباراة القوة.

الدهاء الميتيسي من حيث هو ذكاء يعمل فيما هو صائر، وفي موقف النضال، يكتسي شكل قوة مواجهة تستخدم صفات عقلية – الحرص، الفطنة، العجلة، نفاذ البصيرة، المكر، بل والكذب – ولكن هذه الصفات تلعب دورها كطائفة من الأعمال السحرية التي قد تحوزها لكي تتصدى للقوة الغاشمة بالأسلحة التي هي أسلحتها الخصيصة: المَنَعة والغش. والكائن الذي أوتي الدهاء الميتيسي منيع يفلت من بين أصابع عدوه منساباً كالماء الجاري، وهو لفرط مرونته يتحور تحورات عديدة، وهو مثل الفخ يبدو على عكس حقيقته، غامضاً، مضاداً، يتوسل في عمله بالانقلاب.

الإعلانات